نَفْسِهِ) أي خاصة ، وقدم ما المقام له والاهتمام به فقال : (خِيفَةً مُوسى) مثل ما خاف من عصاه أول ما رآها كذلك على ما هو طبع البشر ، وللنظر إلى الطبع عبر بالنفس لا القلب مثلا.
(قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١))
ولما كان ذلك ، وكان المعلوم أن الله معه ، وأنه جدير بإبطال سحرهم ، استأنف الخبر عنه بقوله : (قُلْنا) بما لنا من العظمة : (لا تَخَفْ) من شيء من أمرهم ولا غيره ، ثم علل ذلك بقوله ، وأكده أنواعا من التأكيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما أظهروا من سحرهم لعظمه : (إِنَّكَ أَنْتَ) أي خاصة (الْأَعْلى) أي الغالب غلبة ظاهرة لا شبهة فيها (وَأَلْقِ) وأشار إلى يمن العصا وبركتها بقوله : (ما فِي يَمِينِكَ) أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) ثم أريناك منها ما أريناك (تَلْقَفْ) بقوة واجتهاد مع سرعة لا تكاد تدرك ـ بما أشار إليه حذف التاء (ما صَنَعُوا) أي فعلوه بعد تدرب كبير عليه وممارسة طويلة ؛ ثم علل ذلك بقوله : (إِنَّما) أي أن الذي (صَنَعُوا) أي أن صنعهم مما رأيته وهالنا أمره.
ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش أفرد ونكر لتنكير المضاف وتحقيره فقال : (كَيْدُ ساحِرٍ) أي كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات ، سواء كان واحدا أو جمعا ، ولو جمع لخيل أن المقصود العدد ، ولما كان التقدير : فهم لا يفلحون ، عطف عليه قوله : (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ) أي هذا الجنس (حَيْثُ أَتى) أي كيف ما سار وأيّه (سئلك) فإنه إنما يفعل ما لا حقيقة له ، فامتثل ما أمره به ربه من إلقاء عصاه ، فكان ما وعده به سبحانه من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا غيره مع أن حبالهم وعصيهم كانت شيئا كثيرا ، فعلم كل من رأى ذلك حقيته وبطلان ما فعل السحرة ، فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين مبادرة من كأنه ألقاه ملق على وجهه ، ولذلك قال تعالى بعد أن ذكر مكرهم واجتهادهم في معارضة موسى عليه الصلاة والسّلام وحذف ذكر الإلقاء وما سببه من التلقف لأن مقصود السورة القدرة على تليين القلوب القاسية : (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ) أي فألقاهم ما رأوا من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر (سُجَّداً) على وجوههم ؛ قال الأصبهاني : سبحان الله! ما أعظم شأنهم!
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
