ولما نهى سبحانه عن الإكراه ، رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه فقال : (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَ) دون أن يقول : وإن أكرهن ، وعبر بالمضارع إعلاما بأنه يقبل التوبة ممن خالف بعد نزول الآية ، وعبر بالاسم العلم في قوله : (فَإِنَّ اللهَ) إعلاما بأن الجلال غير مؤيس من الرحمة ، ولعله عبر بلفظ «بعد» إشارة إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده ، فإن النفس لا تملك بغضه حينئذ ، فقال : (مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ) أي لهن وللموالي ، يستر ذلك الذنب إن تابوا (رَحِيمٌ) بالتوفيق للصنفين إلى ما يرضيه.
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥))
ولما أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها ومقدماتها وخواتيمها ، قال عاطفا على قوله أولها (وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا) أي بما لنا من العظمة ترغيبا لكم وترهيبا (إِلَيْكُمْ) أي لتتعظوا (آياتٍ مُبَيِّناتٍ) مفصل فيها الحق من الباطل ، موضح بالنقل والعقل بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما أوضحنا ذلك لمن يتدبره في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها وتتبعها مما هو صلاحكم في الدين والدنيا (وَمَثَلاً) أي وشبها بأحوالكم (مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي من أحوالهم بما أنزل الله إليهم في التوراة في أحوال المخالطة والزنى وقذف الأبرياء كيوسف ومريم عليهماالسلام وتبرئتهم كما قدمت كثيرا منه في سورة المائدة وغيرها مما صار في حسن سبكه في هذا الكتاب ، وبديع حبكه عند أولي الألباب ، كالأمثال السائرة ، والأفلاك الدائرة (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) بما فيه من الأحكام والفواصل المنبئة عن العلل المذكرة بما يقرب من الله زلفى ، وينور القلب ، ويوجب الحب والألفة ، ويذهب وحر الصدر ؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا السنن الأقوم ، والنظم المحكم ، بقوله : (اللهُ) أي الذي أحاطت قدرته وعلمه (نُورُ) أي ذو نور (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل صاحبه بهدايته إلى الصراط المستقيم كالماشي في نور الشمس ، لا يضع شيئا في غير موضعه كما أن الماشي في النور لا يضع رجلا في غير موضعها اللائق بها ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
