ضعيف وقوي ، لأنه لا مانع له ولا يسأل عما يفعل (وَهُوَ الْعَزِيزُ) فلا يعز من عادى ، ولا يذل من والى ، ولما كان هذا السياق لبشارة المؤمنين قال : (الرَّحِيمُ) أي يخص حزبه بما ينيلهم قربه من الأخلاق الزكية ، والأعمال المرضية.
(وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨))
ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر ، أكده سبحانه بما يقوي قلوب أصفيائه بتبيين المراد ، ويرد ألسنة أعدائه عن كثير من العناد ، ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو يصدق في وعد الآخرة ليحكم بالعدل ، ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم ، ويفضل عليهم بعد ذلك بما يريد ، فقال : (وَعْدَ اللهِ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، وهو متعال عن كل شائبة نقص ، فلذلك (لا يُخْلِفُ) وأعاد ذكر الجلالة تنبيها على عظم الأمر فقال : (اللهِ) أي الذي له الأمر كله. ولما كان لا يخلف شيئا من الوعد ، لا هذا الذي في أمر الروم ولا غيره ، أظهر فقال : (وَعْدَهُ) كما يعلم ذلك أولياؤه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) وهم أهل الاضطراب والنوس (لا يَعْلَمُونَ) أي ليس لهم علم أصلا ، ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه لا بد من وقوع ما وعد به في الحال التي ذكرها لأنه قادر وحكيم.
ولما كان من المشاهد أن لهم عقولا راجحة وأفكارا صافية ، وأنظارا صائبة ، فكانوا بصدد أن يقولوا : إن علمنا أكبر من علمكم ، كان كأنه قيل بيانا لأنه يصح سلب ما ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية ، وتنبيها على أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا : نعم (يَعْلَمُونَ) ولكن (ظاهِراً) أي واحدا (مِنَ) التقلب في (الْحَياةِ الدُّنْيا) وهو ما أدتهم إليه حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سببا للتمتع بزخارفها والتنعم بملاذها ، قال الحسن : إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطىء وهو لا يحسن يصلي ـ انتهى. وأمثال هذا لهم كثير ، وهو وإن كان عند أهل الدنيا عظيما فهو عند الله حقير ، فلذلك حقره لأنهم ما زادوا فيه على أن ساووا البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل ، وما يضرها فتدفعه بأنواع من الخداع ، وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها بالطاعة ، فهو ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى.
ولما ذكر حالهم في الدنيا ، أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة ، مؤكدا إشارة إلى أن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
