(يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩))
ولما كان هذا كله وعظا لهم واستصلاحا ، ترجمه بقوله : (يَعِظُكُمُ اللهُ) أي يرقق قلوبكم الذي له الكمال كله فيمهل بحلمه ، ولا يهمل بحكمته وعلمه ، بالتحذير على وجه الاستعطاف : (أَنْ) أي كراهة لأن (تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) أي ما دمتم أهلا لسماع هذا القول ؛ ثم عظم هذا الوعظ ، وألهب سامعه بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي متصفين بالإيمان راسخين فيه فإنكم لا تعودون ، فإن عدتم فأنتم غير صادقين في دعواكم الاتصاف به (وَيُبَيِّنُ اللهُ) أي بما له من الاتصاف بصفات الجلال والإكرام (لَكُمُ الْآياتِ) أي العلامات الموضحة للحق والباطل ، من كل أمر ديني أو دنيوي (وَاللهُ) أي المحيط بجميع الكمال (عَلِيمٌ) فثقوا ببيانه (حَكِيمٌ) لا يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه وإن دق عليكم فهم ذلك ، فلا تتوقفوا في أمر من أوامره ، واعلموا أنه لم يختر لنبيه عليه الصلاة والسّلام إلا الخلص من عباده ، على حسب منازلهم عنده ، وقربهم من قلبه.
ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب ، أدبهم تأديبا ثالثا أشد من الأولين ، فقال واعظا ومقبحا لحال الخائضين في الإفك ومحذرا ومهددا : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ) عبر بالحب إشارة إلى أنه لا يرتكب هذا مع شناعته إلا محب له ، ولا يحبه إلا بعيد عن الاستقامة (أَنْ تَشِيعَ) أي تنتشر بالقول أو بالفعل (الْفاحِشَةُ) أي الفعلة الكبيرة القبح ، ويصير لها شيعة يحامون عليها (فِي الَّذِينَ آمَنُوا) ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان فكيف بمن تسنم ذروته ، وتبوأ غايته (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) ردعا لهم عن إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى (فِي الدُّنْيا) بالحد وغيره مما ينتقم الله منهم به (وَالْآخِرَةِ) فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع مرتكبهم أم لا (وَاللهُ) أي المستجمع لصفات الجلال والجمال (يَعْلَمُ) أي له العلم التام ، فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي ليس لكم علم من أنفسكم فاعملوا بما علمكم الله ، ولا تتجاوزوه تضلوا.
(وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
