كانوا كونا هم فيه في غاية التمكن (مُسْتَبْصِرِينَ) أي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جدا لما فاقوهم به مما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا ، ولم يسبقونا ، بل أوقعناهم بعملهم السيئات فيما أردنا من أنواع الهلكات ، فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في القوة ، ولا تقاربونهم في العقول.
(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١))
ولما كان فرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى ، لما أوتوا من القوة بالأموال والرجال قال : (وَقارُونَ) أي أهلكناه وقومه لأن وقوعه في أسباب الهلاك أعجب ، لكونه من بني إسرائيل ، ولأنه ابتلى بالمال والعلم ، فكان ذلك سبب إعجابه ، فتكبر على موسى وهارون عليهماالسلام فكان ذلك سبب هلاكه (وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ) وزيره الذي أوقد له على الطين ، فلا هو نجا ولا كان رأسا في الكفر ، بل باع سعادته بكونه ذنبا لغيره.
ولما كان هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب ، فكان جديرا بالإنكار ، إشارة إلى أن رؤية الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ) أي التي لم تدع لبسا فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار (فَاسْتَكْبَرُوا) أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم أفعال من يطلب ذلك (فِي الْأَرْضِ) بعد مجيء موسى عليه الصلاة والسّلام إليهم أكثر مما كانوا قبله.
ولما كان من يتكبر ـ وهو عالم بأنه مأخوذ ـ أشد لوما ممن يجهل ذلك قال : (وَما كانُوا) أي الذين ذكروا هذا كلهم ، كونا ما (سابِقِينَ) أي فائتين ما نريدهم ، بأن يخرجوا من قبضتنا ، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك (فَكُلًّا) أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلّا منهم (أَخَذْنا) أي بما لنا من العظمة (بِذَنْبِهِ) أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا (فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ) إرسال عذاب يا له من عذاب! (حاصِباً) أي ريحا ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ) أخذ هلاك وغضب وعذاب ، وعدل عن أسلوب
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
