كَفَرُوا) أي تلبسوا بالكفر (الْمُنْكَرَ) أي الإنكار الذي هو منكر في نفسه لما حصل لهم من الغيظ ؛ ثم بين ما لاح في وجوههم فقال : (يَكادُونَ يَسْطُونَ) أي يوقعون السطوة بالبطش والعنف (بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا) أي الدالة على أسمائنا الحسنى ، وصفاتنا العلى ، القاضية بوحدانيتنا ، مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا ، لما فيها من الحكم والبلاغة التي عجزوا عنها.
ولما استحقوا ـ بإنكارهم وما أرادوه من الأذى لأولياء الله ـ النكال ، تسبب عنه إعلامهم بما استحقوه ، فقال مؤذنا بالغضب بالإعراض عنهم ، آمرا له صلىاللهعليهوسلم بتهديدهم : (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ) أي أتعون فأخبركم خبرا عظيما (بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ) الأمر الكبير من الشر الذي أردتموه بعباد الله التالين عليكم للآيات وما حصل لكم من الضجر من ذلك ، فكأنه قيل : ما هو؟ فقيل : (النَّارُ) ثم استأنف قوله متهكما بهم بذكر الوعد : (وَعَدَهَا اللهُ) العظيم الجليل (الَّذِينَ كَفَرُوا) جزاء لهم على همهم هذا ، فبئس الموعد هي (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
(يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦))
. ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة لعابد غيره ، وهدد من عاند ، أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في غاية الحقارة ، ولا قدرة له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره ، فكيف بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة ، والخطة العالية المنيفة ، فقال مناديا أهل العقل منبها تنبيها عاما : (يا أَيُّهَا النَّاسُ).
ولما كان المقصود من المثل تعقله لا قائله ، بني للمفعول قوله : (ضُرِبَ مَثَلٌ) حاصله أن من عبدتموه أمثالكم ، بل هم أحقر منكم (فَاسْتَمِعُوا) أي أنصتوا متدبرين (لَهُ) ثم فسره بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ) أي في حوائجكم ، وتجعلونهم آلهة (مِنْ دُونِ اللهِ) أي الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون ، ولما تدعون فيها مفترون ، لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً) أي لا قدرة لهم على ذلك الآن ، ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلا في شيء من الأزمان ، على حال من الأحوال ، مع صغره ، فكيف بما هو أكبر منه (وَلَوِ اجْتَمَعُوا) أي الذين
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
