الصَّالِحُونَ) [الأنبياء : ١٠٥](لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [النور : ٥٥].
(بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩))
ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت ، والاضطراب من أمارات الباطل ، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز ، فربما أدى إلى الاستبصار في أمره ، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال : (بَلْ قالُوا) أي عن هذا الذكر الحكيم أنه (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالإخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن ، ثم نزلوا عن ذلك إلى وصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه فقالوا : (بَلِ افْتَراهُ) أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله.
ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقا في نفسه ، قالوا : (بَلْ هُوَ شاعِرٌ) أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء ، تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم ، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته ، وإليه أشار في آخر التي قبلها (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ) [طه : ١٣٥] إلى آخره ، فاضطربت أقوالهم وعوّلوا أخيرا على قريب من السحر في نفي الحقيقة.
ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة ، يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها ، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على من قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض عن الذي قبله ، وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطا ، ما قيل إلا عن سبق لسان وعدم تأمل ، سترا لعناده وتدليسا لفجوره ، ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها. ولما كانت نسبته إلى الشعر أضعفها شأنا ، وأوضحها بطلانا ، لم يحتج إلى إضراب عنه ، وعبروا في الأضغاث بوصف القرآن تأكيدا لعيبه ، وفي الافتراء والشعر بوصفه صلىاللهعليهوسلم لذلك.
ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات ، سببوا عن هذا
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
