ولما كان المتصف بذلك قد يكون وصفه مقصورا على بعض الأشياء ، أخبر أن صفاته محيطة فقال : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي الرسل (وَما خَلْفَهُمْ) أي علمه محيط بما هم مطلعون عليه وبما غاب عنهم ، فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه ، فإنه يسلك من بين أيديهم ومن خلفهم رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وإن ظن الجاهلون غير ذلك ، لاحتجابه سبحانه وتعالى في الأسباب ، فلا يقع في فكر أصلا أن المحيط علما بكل شيء الشامل القدرة لكل شيء يكل رسولا من رسله إلى نفسه ، فيتكلم بشيء لم يرسله به ، ولا أنه يمكن شيطانا أو غيره أن يتكلم على لسانه بشيء ، بل كل منهم محفوظ في نفسه لا (يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) [النجم : ٣ ، ٤] محفوظ عن تلبيس غيره (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) [الحجر : ٩](وَإِلَى اللهِ) أي الذي لا كفوء له ، وحده (تُرْجَعُ) أي بغاية السهولة بوعد فصل لا بد منه (الْأُمُورُ) يوم يتجلى لفصل القضاء ، فيكون أمره ظاهرا لا خفاء فيه ، ولا يصدر شيء من الأشياء إلا على وجه العدل الظاهر لكل أحد أنه منه. ولا يكون لأحد التفات إلى غيره ، والذي هو بهذه الصفة له أن يشرع ما يشاء ، وينسخ من الشروع ما يشاء ، ويحكم بما يريد.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨))
ولما أثبت سبحانه أن الملك والأمر له وحده ، وأنه قد أحكم شرعه ، وحفظ رسله ، وأنه يمكن لمن يشاء أيّ دين شاء ، وختم ذلك بما يصلح للترغيب والترهيب ، وكانت العادة جارية بأن الملك إذا برزت أوامره وانبثت دعاته ، أقبل إليه مقبلون ، خاطب المقبلين إلى دينه ، وهم الخلص من الناس ، فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي قالوا : آمنا (ارْكَعُوا) تصديقا لقولكم (وَاسْجُدُوا) أي صلوا الصلاة التي شرعتها للآدميين ، فإنها رأس العبادة ، لتكون دليلا على صدقكم في الإقرار بالإيمان ، وخص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما ، لأنهما ـ لمخالفتهما الهيئات المعتادة ـ هما الدالان على الخضوع ، فحسن التعبير بهما عنها جدا في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من يستقبح ـ لما غلب عليه من العتو ـ بعض الهيئات الدالة على ذل.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
