الفج بين الجبلين ، وقيل : السبيل سلك أم لم يسلك. وأصله في اللغة الزيادة (آيَةً) أي علامة على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها لكفى بعض الأرياع دون كلها.
ولما كان إقامة الدليل على قوتهم بمثل ذلك قليل الجدوى عند التأمل ، قال : (تَعْبَثُونَ) والعاقل ينبغي له أن يصون أوقاته النفيسة عن العبث الذي لا يكون سبب نجاته ، وكيف يليق ذلك بمن الموت من ورائه.
ولما كان من يموت لا ينبغي له إنكار الموت بفعل ولا قول قال : (وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ) أي أشياء بأخذ الماء ، أو قصورا مشيدة وحصونا تصنعونها ، هي في إحكامها بحيث تأكل الدهر قوة وثباتا ، فلا يبنيها إلا من حاله حال الراجي للخلود ، ولذلك قال : (لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) وهو معنى ما في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما (١) من تفسيرها بكأنكم.
(وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣))
ولما بين أن عملهم عمل من لا يخاف الموت ، أتبعه ما يدل على أنهم لا يظنون الجزاء فقال : (وَإِذا بَطَشْتُمْ) أي بأحد ، أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة (بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) أي غير مبالين بشيء من قتل أو غيره ؛ قال البغوي : والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب.
ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار ، تسبب عنه أن قال : (فَاتَّقُوا اللهَ) أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام (وَأَطِيعُونِ).
ولما كان ادكار الإحسان موجبا للإذعان ، قال مرغبا في الزيادة ومرهبا من الحرمان : (وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ) أي جعل لكم مددا ، وهو إتباع الشيء بما يقويه على الانتظام (بِما تَعْلَمُونَ) أي ليس فيه نوع خفاء حتى تعذروا في الغفلة عن تقييده بالشكر.
__________________
(١) هو في البخاري ٣ / ٣١٣ تعليقا بصيغة الجزم.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
