به ، لأن من شأن من كان في الضياء أن لا يضع شيئا إلا في موضعه (وَذِكْراً) أي وعظا وشرفا.
ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء ، قال : (لِلْمُتَّقِينَ) أي الذين صار هذا الوصف لهم شعارا حاملا لهم على التذكر لما يدعو إليه الكتاب من التوحيد الذي هو أصل المراقبة ؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله : (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ) أي يخافون خوفا عظيما (رَبَّهُمْ) أي المحسن إليهم بعد الإيجاد بالتربية وأنواع الإحسان (بِالْغَيْبِ) أي في أن يكشف لهم الحجاب (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ) التي نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم حامل على كل خير ، مبعد من كل ضير (مُشْفِقُونَ) لأنهم لقيامها متحققون ، وبنصب الموازين فيها عالمون.
ولما ذكر فرقان موسى عليهالسلام ، وكان العرب يشاهدون إظهار اليهود للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط ، حثهم على كتابهم الذي هو أشرف منه فقال : (وَهذا) فأشار إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم (ذِكْرٌ) أي عظيم ، ودلهم على أنه أثبت الكتب وأكثرها فوائد بقوله : (مُبارَكٌ) ودلهم على زيادة عظمته بما له من قرب الفهم والإعجاز وغيره بقوله : (أَنْزَلْناهُ) ثم أنكر عليهم رده ووبخهم في سياق دال على أنهم أقل من أن يجترئوا على ذلك ، منبه على أنهم أولى بالمجاهدة في هذا الكتاب من أهل الكتاب في كتابهم فقال : (أَفَأَنْتُمْ لَهُ) أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما أنزل لتشريفكم عليهم وعلى غيرهم مع أنكم لا تنكرون كتابهم (مُنْكِرُونَ) أي أنه لو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته ، فكيف يكون الإنكار منكم؟
(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤))
ولما كان مقصود السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من إعادة الحيوان بعد كونه ترابا ، وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر الأربعة كما تقدم قص ذلك من التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى أن من استبعد عليه ما جعله إلى بعض عبيده أعمى الناس ، تلاه من الأنبياء بمن سخر له واحدا من تلك العناصر ، مرتبا لهم على الأخف في ذلك فالأخف على سبيل الترقي ، فبدأهم بذكر من سخر له عنصر النار ، مع التنبيه للعرب على عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة الأوثان على أبيه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
