أرسلت إليهم ، بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر ، فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر ، فما هو إلا تهكم بهم ، وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها.
ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى ، ولم يرتقوا بعقولهم إلى المطلوب الأعلى ، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم ، وينقذونهم من غفلتهم ، فكان التقدير : فضلوا عن المنهج الواضح ، وعموا عن السبيل الرحب ، وزاغوا عن طريق الرب ، فأرسلنا إليهم الرسل ، فعطف عليه قوله مشيرا بتأنيث الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند (تِلْكَ الرُّسُلُ) [البقرة : ٢٥٣] : (وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) أي عنا (بِالْبَيِّناتِ) من المعجزات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا الصادقة ، وأمورنا الخارقة ، كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره كذا ، فظهر كذلك ، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة (فَما) أي بسبب أنه ما (كانَ اللهُ) على ما له من أوصاف الكمال مريدا (لِيَظْلِمَهُمْ) بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالما بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات (وَلكِنْ كانُوا) بغاية جهدهم (أَنْفُسَهُمْ) أي خاصة (يَظْلِمُونَ) أي يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع ، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها فيهم ليستضيئوا بها فيعلموا الحق من الباطل ، ولا يقبلون من الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها من الغطاء ، ولا يرجعون عن الغي إذا اضطروهم بالآيات الباهرات ، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد.
(ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣))
ولما كان انتكاسهم بعد هذه الأسباب المسعدة بعيدا ، أشار إليه بأداة التراخي ، أو هي إشارة إلى تطاول دعاء الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال : (ثُمَّ كانَ) أي كونا تعذر الانفكاك عنه ، وهو في غاية الهول كما أشار إليه تذكير الفعل (عاقِبَةَ) أي آخر أمر (الَّذِينَ أَساؤُا) أظهر موضع الإضمار تعميما ودلالة على السبب (السُّواى) أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون ، وهي خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
