حين (قالَ لَهُمْ) لم يتأنوا بطلب دليل ، ولا ابتغاء وجه جميل ؛ وأشار إلى نسبه فيهم بقوله : (أَخُوهُمْ) زيادة في تسلية هذا النبي الكريم (نُوحٌ) وأشار إلى حسن أدبه ، واستجلابهم برفقه ولينه ، بقوله : (أَلا تَتَّقُونَ) أي تكون لكم تقوى ، وهي خوف يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره ؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله : (إِنِّي لَكُمْ) أي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم (رَسُولٌ) أي من عند خالقكم ، فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به (أَمِينٌ) أي لا غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي ، ولا خيانة في شيء من الأمانة ، فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة.
(فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦))
ولما عرض عليهم التقوى بالرفق ، وعلل ذلك بما ثبت به أمرها ، تسبب عنه الجزم بالأمر فقال : (فَاتَّقُوا اللهَ) أي أوجدوا الخوف والحذر والتحرز من الذي اختص بالجلال والجمال ، مبادرين إلى ذلك بتوحيده لتحرزوا أصل السعادة فتكونوا من أهل الجنة (وَأَطِيعُونِ) أي في كل ما آمركم لتحرزوا رتبة الكمال في ذلك ، فلا يمسكم عذاب.
ولما أثبت أمانته ، نفى تهمته فقال : (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ) أي على هذا الحال الذي أتيتكم به ؛ وأشار إلى الإعراق في النفي بقوله : (مِنْ أَجْرٍ) أي ليظن ظان أني جعلت الدعاء سببا له ؛ ثم أكد هذا النفي بقوله : (إِنْ) أي ما (أَجْرِيَ) أي في دعائي لكم (إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) أي الذي دبر جميع الخلائق ورباهم.
ولما انتفت التهمة ، تسبب عن انتفائها أيضا ما قدمه ، فأعاده إعلاما بالاهتمام بذلك زيادة في الشفقة عليهم وتأكيدا له في قلوبهم تنبيها على أن الأمر في غاية العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال : (فَاتَّقُوا اللهَ) أي الذي حاز جميع صفات العظمة (وَأَطِيعُونِ).
ولما قام الدليل على نصحه وأمانته ، أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما أجاب من قال من أشراف العرب (ما لِهذَا الرَّسُولِ) الآيات ، وقال : لو طردت هؤلاء الضعفاء لرجونا أن نتبعك حتى نزل في ذلك (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) [الأنعام : ٥٢]
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
