يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧) وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨))
ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا الإلقاء ، ذكر العلة في ذلك فقال : (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أي في المتلو أو المحدث به من تلك الشبه في قلوب أوليائه (فِتْنَةً) أي اختبارا وامتحانا (لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيته تقبل كل صورة ولا يثبت فيها صورة ، وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) عن فهم الآيات ، وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن صارت حجرية ، وهم المصارحون بالعداوة ، فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين ، قد انتقشت فيها الشبه ، فصارت أبعد شيء عن الزوال. ولما كان التقدير : فإنهم حزب الشيطان ، وأعداء الرحمن ، عطف عليه قوله : وإنهم هكذا الأصل ، ولكنه أظهر تنبيها على وصفهم فقال : (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) أي الواضعين لأقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام (لَفِي شِقاقٍ) أي خلاف بكونهم في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك الشبه التي تلقوها من الشيطان ، وجادلوا بها أولياء الرحمن (بَعِيدٍ) عن الصواب (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ) [الأنعام : ١١٣](وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) بإتقان حججه ، وإحكام براهينه ، وضعف شبه المعاجزين ، وبني فعله للمجهول تعظيما لثمرته في حد ذاته لا بالنسبة إلى معط معين (أَنَّهُ) أي الشيء الذي تلوته أو حدثت به (الْحَقُ) أي الثابت الذي لا يمكن زواله (مِنْ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بتعليمك إياه ، فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه ، وأسفرت وجوهه ، ووضحت براهينه ، وغمرت لججه ، كما قال تعالى (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) [البقرة : ٢٦](فَيُؤْمِنُوا بِهِ) لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف تلك الشبه (فَتُخْبِتَ) أي تطمئن وتخضع (لَهُ قُلُوبُهُمْ) وتسكن به قلوبهم ، فإن الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية والحجرية ، نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين كما ينفع الخبث بقبول طائفة منه لطائفة من الماء ، وإنبات ما يقدره الله من الكلاء وغيره وحفظ طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان (وَإِنَّ اللهَ) بجلاله وعظمته لهاديهم ، ولكنه أظهر تنبيها على سبب العلم فقال : (لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
