أي لئلا تبتل ثيابها فتحتاج إلى تغييرها قبل الوصول إلى سليمان عليهالسلام ، فرآها أحسن الناس ساقا وقدما غير أنها شعراء.
ولما حصل مراده ، استؤنف الإخبار عن أمره بعده فقيل : (قالَ) أي مبينا لعظم عقله وعلمه ، وحكمته وقدرته ، مؤكدا لأنه لشدة اشتباهه بجودة المادة وتناهي حسن الصنعة وإحكامها لا يكاد يصدق أنه حائل دون الماء : (إِنَّهُ) أي هذا الذي ظننته ماءا (صَرْحٌ) أي قصر (مُمَرَّدٌ) أي مملس ، وأصل المرودة : الملامة والاستواء (مِنْ) أي كائن من (قَوارِيرَ) أي زجاج ليتصف بشفوفة الماء فيظن أنه لا حائل دونه ، فلما رأت ما فضله الله به من العلم ، المؤيد بالحكمة ، المكمل بالوقار والسكينة ، المتمم بالخوارق ، بادرت إلى طاعته علما بأنه رسول الله ، فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله : (قالَتْ) مقبلة على من آتاه ، للاستمطار من فضله ، والاستجداء من عظيم وبله : (رَبِ) أي أيها المحسن إليّ (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) أي بما كنت فيه من العمى بعبادة غيرك عن عبادتك (وَأَسْلَمْتُ) أي ليظهر عليّ ثمرات الإسلام.
ولما ذكرت هذا الأساس الذي لا يصح بناء طاعة إلا عليه ، أتبعته الداعي الذي لا تتم ثمرات الأعمال المؤسسة عليه إلا بحبه ، والإذعان له ، والانقياد والاعتراف بالفضل ، وبهدايته إلى ما يصلح منها وما لا يصلح على الوجوه التي لا تقوم إلا بها من الكميات والكيفيات. فقالت : (مَعَ سُلَيْمانَ).
ولما ذكرت صفة الربوبية الموجبة للعبادة بالإحسان ، ذكرت الاسم الأعظم الدال على الذات المستجمع للصفات الموجبة للإلهية للذات فقالت : (لِلَّهِ) أي مقرة له بالألوهية والربوبية على سبيل الوحدانية. ثم رجعت إشارة إلى العجز عن معرفة الذات حق المعرفة إلى الأفعال التي هي بحر المعرفة فقالت : (رَبِّ الْعالَمِينَ) فعمت بعد أن خصت إشارة إلى الترقي من حضيض دركات العمى إلى أوج درجات الهدى ، فلله درها ما أعلمها! وأطيب أعراقها وأكرمها! ويقال : إن سليمان عليهالسلام تزوجها واصطنع الحمام ـ وهو أول من اتخذه. وأذهب شعرها بالنورة.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩))
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
