أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار رحمانيته ، ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير ، ثم من الملك ، مصدرا له بوصف الحق الذي جعله مطلع السورة رادا لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال : (تَبارَكَ) أي ثبت ثباتا لا نظير له (الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ) التي قدم أنه اخترعها (بُرُوجاً) وهي اثنا عشر برجا ، هي للكواكب السيارة كالمنازل لأهلها ، سميت بذلك لظهورها ، وبنى عليها أمر الأرض ، دبر بها فصولها ، وأحكم بها معايش أهلها.
ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور ، ذكره معبرا بلفظ السراج فقال : (وَجَعَلَ فِيها) أي البروج (سِراجاً) أي شمسا ، وقرأ حمزة والكسائي بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من السرج ، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده : (وَقَمَراً مُنِيراً) أتم ـ بتنقلهما فيها وبغير ذلك من أحوالهما ـ التدبير ، أي أن العلم بوجوبه لا شك فيه ، فكيف يشك عاقل في وجوده أو في رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية.
(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦))
ولما ذكر الآيتين ، ذكر ما هما آيتاه فقال : (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ) أي الذي آيته القمر (وَالنَّهارَ) الذي آيته الشمس (خِلْفَةً) أي ذوي حالة معروفة في الاختلاف ، فيأتي هذا خلف ذاك ، بضد ما له من الأوصاف ، ويقوم مقامه في كثير من المرادات ، والأشياء المقدرات ، ويعلم قدر التسامح فيها ، ومن فاته شيء من هذا قضاه في ذاك ؛ قال ابن جرير : والعرب تقول : خلف هذا من كذا خلفة ، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف والخلفة ـ بالكسر : المختلف. فعلى هذا يكون التقدير : جعلهما مختلفين في النور والظلام ، والحر والبرد ، وغير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في اللوامع : يقال : الأمر بينهم خلفة ، أي نوبة ، كل واحد يخلف صاحبه ، والقوم خلفة ، أي مختلفون.
ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء ، خص الجعل بالمجتني للثمرة فقال : (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه ـ بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماعة بفتح الذال والكاف مشددتين ، لما يدله عليه عقله من أن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
