لإفادة السياق الكثرة ، فيفيد الأمران قلة ما ، لئلا يتوهم من جمع الكثرة جميع الناس مطلقا (لَعَلَّهُمْ) إذا رأوه (يَشْهَدُونَ) أي أنه فعل بالآلهة هذا الفعل ، أو أنه ذكرها بسوء ، فيكون ذلك مسوغا لأخذه بذلك ، أو يشهد بفعله بعضهم ، لأن الشيء إذا حضر كانت أحواله بالذكر أولى منها إذا كان غائبا ، وكان هذا عين ما قصده الخليل عليهالسلام أن يبين ـ في هذا المحفل الذي لا يوجد مثله ـ ما هم عليه من واضح الجهل المتضمن قلة العقل.
(قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢))
ولما كان إحضاره معلوما أنهم لا يتأخرون عنه ، استأنف أخباره لما يقع التشوف له فقال : (قالُوا) منكرين عليه مقررين ، له بعد حضوره على تلك الهيئة : (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا) الفعل الفاحش (بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ* قالَ) متهكما لهم وملزما بالحجة : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) غيره من أن يعبد معه من هو دونه ، وهذا على طريق إلزام الحجة ؛ وتقييده بقوله : (هذا) إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره. وكذا التنكير فيما مضى من قوله (إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ) وهذا ـ مع كونه تهكما بهم وكناية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما ـ تنبيه على قباحة الشرك ، وأنه لا يرضى به إله بل يهلك من عبد غيره وكل ما عبد من دونه إن كان قادرا ، غيرة على مقامه العظيم ، ومنصبه الجسيم.
ولما أخبرهم بذلك ، ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله ، وكانوا قد أحلوهم بعبادتهم ووضع الطعام لهم محل من يعقل ، سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال : (فَسْئَلُوهُمْ) أي عن الفاعل ليخبروكم به (إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) على زعمكم أنهم آلهة يضرون وينفعون ، فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا ، أما سؤال الصحيح فواضح ، وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو رجله أو
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
