الواقع ، ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إن كانت نيتهم أنهم لا يفون على تقدير تحقق الجزاء.
ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا ، صرح به تأكيدا لمضمون ما قبله ، مؤكدا لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله : مستأنفا : (إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ).
ولما كان كل من أسلك أحدا طريقا كان شريكه في عمله فيها ، فكان عليه مثل وزره إن كانت طريق ردى ، وله مثل أجره إن كانت سبيل هدى ، قال تعالى مؤكدا لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها : (وَلَيَحْمِلُنَ) أي الكفرة (أَثْقالَهُمْ) التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا (وَأَثْقالاً) أخرى لغيرهم (مَعَ أَثْقالِهِمْ) بما تسببوا به من إضلال غيرهم ، ومن تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم ، فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخر شيئا.
ولما كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال ، من الرعب في القلب ما ليس للأفعال قال : (وَلَيُسْئَلُنَ) أي من كل من أمره المولى بسؤالهم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) أي الذي هم به مكذبون ، وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم ، أو لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه ، (عَمَّا كانُوا) أي بغاية الرغبة (يَفْتَرُونَ) أي يتعمدون كذبه ، ويعملون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه ، والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صلىاللهعليهوسلم ويتعمدون الكذب في وعدهم لمن غروه.
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧))
ولما كان السياق للبلاء والامتحان ، والصبر على الهوان ، وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي ، ذكر من الرسل الكرام عليهم الصلاة والسّلام من طال صبره على البلاء ، ولم يفتر عزمه عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى ، تسلية لرسوله صلىاللهعليهوسلم ولتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتا لهم وتهديدا لقريش ، فقال عاطفا على (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ما هو كالشرح له ، وله نظر عظيم إلى (وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ) [القصص : ٥١] وأكده دفعا لوهم من يقول : إن القدرة على التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا) أي على ما لنا من العظمة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
