(عَمَّا يَصِفُونَ) من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك والولد وغيره ؛ ثم أقام دليلا آخر على كماله بوصفه بقوله : (عالِمِ الْغَيْبِ) ولما كان العلم بذلك لا يستلزم علم الشهادة كما للنائم قال : (وَالشَّهادَةِ) ولا عالم بذلك غيره.
ولما كان من الواضح الجلي أنه لا مدعي لذلك ، ومن ادعاه غيره بأن كذبه لا محالة ، وأن من تم علمه تمت قدرته ، فاتضح تفرده كما بين في طه ، تسبب عنه قوله : (فَتَعالى) أي علا العالم المشار إليه علوا عظيما (عَمَّا يُشْرِكُونَ) فإنه لا علم لشيء منه فلا قدرة ولا صلاحية لرتبة الإلهية.
(قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠))
ولما أقام الدليل على كذبهم بالأدلة على عظمته ، وتعاليه عن كل ما يقول الظالمون ، وبين لهم الأمر غاية البيان بعد أن هددهم بمثل قوله وما يشعرون (حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ) ونحوه من مثل ما أنزله بالماضين ، وأحله بالمكذبين ، وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعذار إلا إيقاع القضاء وإنزال البلاء ، وكان من الممكن أن يعم سبحانه الظالم وغيره بعذابه لأنه لا يسأل عما يفعل ، أمره أن يتعوذ من ذلك إظهارا لعظمة الربوبية وذل العبودية فقال : (قُلْ رَبِ) أي أيها المحسن إليّ ، وأكد إظهارا لعظمة المدعو به وإعلاما بما للنبي صلىاللهعليهوسلم من مزيد الشفقة على أمته مؤمنهم وكافرهم (إِمَّا تُرِيَنِّي) أي إن كان ولا بد من أن تريني قبل موتي (ما يُوعَدُونَ) ثم نبهه على الزيادة في الضراعة بتكرير النداء بصفة الإحسان تعبدا وتخشعا ، وتذللا وتخضعا ، إشارة إلى أن الله سبحانه له أن يفعل ما يشاء ، فينبغي لأقرب خلقه إليه أن يكون على غاية الحذر منه فقال : (رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي) بإحسانك إليّ وفضلك عليّ فيهم ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعميما للدعوة وتعليقا للحكم بالوصف فقال : (فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي الذين أعمالهم أعمال من يمشي في الظلام ، فهي في غير مواضعها ، فضلا عن أن أكون منهم فإنه يوشك أن يخصهم العذاب ويعم من جاورهم لوخامة الظلم وسوء عاقبته.
ولما أرشد التعبير بأداة الشك إلى أن التقدير : فإنا على العفو عنهم وعلى الإملاء لهم لقادرون ، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب المتضمن للطعن في القدرة
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
