صالح والسدي : كانتا مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتتقة واحدة ففتقها فجعلها سبع طبقات.
ولما كان خلق الماء سابقا على خلق السماوات والأرض ، قال : (وَجَعَلْنا) أي بما اقتضته عظمتنا (مِنَ الْماءِ) أي الهامر ثم الدافق (كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) مجازا من النبات وحقيقة من الحيوان ، خرج الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبي صلىاللهعليهوسلم : أخبرني عن كل شيء ، فقال : كل شيء خلق من ماء (١). ولذلك أجاب النبي صلىاللهعليهوسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر وسأله : ممن هو؟ بقوله : نحن من ماء (٢).
ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهرا ومنتجا لأنهما وكل ما فيهما ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما ، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم فقال : (أَفَلا يُؤْمِنُونَ) أي بأن شيئا منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية ، لا على وجه الشركة ولا على وجه الانفراد ، وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب ، بعد أن صار الميت ترابا بماء يسببه لذلك.
ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة ، وكان الماء أدل دليل على ثباتها ، وكانت الأرض أقرب في الذكر من السماء ، أتبع ذلك قوله : (وَجَعَلْنا) بما لنا من العظمة (فِي الْأَرْضِ) جبالا (رَواسِيَ) أي ثوابت ، كراهة (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وتضطرب فتهلك المياه كل شيء حي فيعود نفعها ضرا وخيرها شرا.
ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت ، وكان ذلك مقتضيا لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة ، بين أنه خرق فيها العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال : (وَجَعَلْنا) بما لنا من القدرة الباهرة والحكمة البالغة (فِيها) أي الجبال مع حزونتها (فِجاجاً) أي مسالك واسعة سهلة ؛ ثم أبدل منها قوله : (سُبُلاً) أي مذللة للسلوك ، ولو لا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) إلى منافعهم في ديارهم وغيرها ، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض متساوية في الوصف ، وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال.
__________________
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٣٢٣ و٢٩٥ و٤٩٣ وابن حبان ٢٥٥٩ قال الأرنؤوط : إسناده رجاله ثقات.
(٢) لم أره بعد فلينظر.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
