مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا علم لها بما قيدت له : (وَجَدْنا آباءَنا لَها) خاصة (عابِدِينَ) فاقتدينا بهم لا حجة لنا غير ذلك. ولما غلوا في الجهل غير محتشمين من إقرارهم على أنفسهم به ، بالاستناد إلى محض التقليد بعد إفلاسهم من أدنى شبهة فضلا عن دليل ، استأنف الله تعالى الإخبار عن جوابه بقوله : (قالَ) أي منبها لهم بسوط التقريع على أن الكلام مع آبائهم كالكلام معهم : (لَقَدْ كُنْتُمْ) وأكد بقوله : (أَنْتُمْ) لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء الفعل ، هذا مع الإشارة إلى الحكم على ظواهرهم وبواطنهم (وَآباؤُكُمْ) أي من قبلكم (فِي ضَلالٍ) قد أحاط بكم إحاطة الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك (مُبِينٍ) ليس به نوع من الخفاء.
(قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١))
ولما لم تكن عادته مواجهة أحد بما يكره ، استأنف الإخبار عنهم بما يدل عليه فقال : (قالُوا) ظنا منهم أنه لم يقل ذلك على ظاهره : (أَجِئْتَنا) في هذا الكلام (بِالْحَقِ) الذي يطابقه الواقع (أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) فظاهر كلامك غير حق (قالَ) بانيا على ما تقديره : ليس كلامي لعبا ، بل هو جد ، وهذه التماثيل ليست أربابا (بَلْ رَبُّكُمْ) الذي يستحق منكم اختصاصه بالعبادة (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي مدبرهن القائم بمصالحهن (الَّذِي فَطَرَهُنَّ) أي أوجدهما وشق بهما ظلمة العدم ، وأنتم وتماثيلكم مما فيهما من مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ) الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره (مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لأنهم لم يشهدوا إلا على ما هو عندهم مثل الشمس ، لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى الضلال.
ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق ، أتبعه البرهان على إبطال الباطل فقال : (وَتَاللهِ) وهو قسم ، والأصل في القسم الباء الموحدة ، والواو بدل منها ، والتاء بدل من الواو ، وفيها ـ مع كونها بدلا ـ زيادة على التأكيد بالتعجب : قال الأصبهاني : كأنه تعجب
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
