سمات النقص ، فيندمون على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة ؛ قال ابن كثير : وأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما ، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن ، وفي بقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قولان أصحهما أنهن كهي ، والله أعلم ـ انتهى. وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها إلى آخرها أن الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك ، ولا توعد في شيء ما توعد فيها ، وأكد وبشع ، ووبخ وقرع ، كل ذلك إظهارا لشرف رسوله صلىاللهعليهوسلم وغضبا له وإعظاما لحرمته وصونا لحجابه.
(الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨))
ولما تضمن ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات ، أتبعه ما هو كالعلة لآية (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) دليلا شهوديا على براءة عائشة رضي الله تعالى عنها فقال : (الْخَبِيثاتُ) أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن كلامهم فيه ، فإذا انتفى ثبت الطيب (لِلْخَبِيثِينَ) أي من الرجال. ولما كان ذلك لا يفهم أن الخبيث مقصور على الخبيثة قال : (وَالْخَبِيثُونَ) أي من الرجال أيضا (لِلْخَبِيثاتِ) أي من النساء.
ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنها لأنها قرينة أطيب الخلق ، أكده بقوله : (وَالطَّيِّباتُ) أي منهن (لِلطَّيِّبِينَ) أي منهم (وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ) بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله ، ويفعل أفعال مثله ، وهو سبحانه قد اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه خلص عباده من الأزواج والأولاد والأصحاب (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران : ١١٠] «خيركم قرني» وكلما ازداد الإنسان منهم من قلبه صلىاللهعليهوسلم قربا ازداد طهارة ، وكفى بهذا البرهان دليلا على براءة الصديقة رضي الله عنها ، فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه القديم ، وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين إلى الدليل العادي ، وقد تقدم عند آية (الزَّانِي) ذكر لحديث «الأرواح جنود مجندة» وما لاءمه ، لكنه لم يستوعب تخريجه ، وقد خرجه
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
