إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤))
ولما قدم ـ كما هو دأب الصالحين ـ الشكر ، وعلم أنه يفعل في العرش ما لأجله أحضره ، تشوفت النفس إليه فأجيبت بقوله : (قالَ) أي سليمان عليهالسلام : (نَكِّرُوا لَها عَرْشَها) أي بتغيير بعض معالمه وهيئته اختبارا لعقلها كما اختبرتنا هي بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك ، وإليه الإشارة بقوله : (نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي) أي إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهدايتها في الدين (أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ) شأنهم أنهم (لا يَهْتَدُونَ) أي بل هم في غاية الغباوة ، لا يتجدد لهم اهتداء ، بل لو هدوا لوقفوا عند الشبه ، وجادلوا بالباطل وما حلوا ، وأشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله : (فَلَمَّا جاءَتْ) وكان مجيئها ـ على ما قيل ـ في اثني عشر ألف قيل من وجوه اليمن ، تحت يد كل قيل ألوف كثيرة ، وكانت قد وضعت عرشها داخل بيت منيع ، ووكلت به حراسا أشداء (قِيلَ) أي لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره بتقليب نصبه وتغييره ، من قائل لا يقدر على السكوت عن جوابه لما نالها من الهيبة وخالطها من الرعب من عظيم ما رأت ، فقرعها بكلمة تشمل على أربع كلمات : هاء التنبيه ، وكاف التشبيه ، واسم الإشارة ، مصدرة بهمزة الاستفهام ، أي تنبهي (أَهكَذا) أمثل ذا العرش (عَرْشُكِ قالَتْ) عادلة عن حق الجواب من «نعم» أو «لا» إشارة إلى أنها غلب على ظنها أنه هو بعينه كما قالوا في «كأن زيدا قائم» : (كَأَنَّهُ هُوَ) وذلك يدل على ثبات كبير ، وفكر ثاقب ، ونظر ثابت ، وطبع منقاد ، لتجويز المعجزات والإذعان لها مع دهشة القدوم ، واشتغال الفكر بما دهمها من هيبته وعظيم أمره ، فعلم سليمان عليهالسلام رجاحة عقلها وبطلان ما قال الشياطين من نقصه خوفا من أن يتزوجها فتفشي عليه أسرار الجن لأن أمها كانت جنية ـ على ما قيل ، وقالوا : إن رجلها كحافر الحمار ، وإنها كثيرة الشعر جدا.
ولما كانت مع ذلك قد شبه عليها ولم تصل إلى حاق الانكشاف مع أنها غلبت على عرشها مع الاحتفاظ عليه ، استحضر صلىاللهعليهوسلم ما خصه الله به من العلم زيادة في حثه على الشكر ، فقال عاطفا على ما تقديره : فأوتيت من أمر عرشها علما ، ولكنه يخالجه شك ، فدل على أنها في الجملة من أهل العلم المهيئي للهداية ، أو يكون التقدير بما دل عليه ما يلزم من قولها (كَأَنَّهُ :) فجهلت أمر عرشها على كثرة ملابستها له : (وَأُوتِينَا) معبرا بنون الواحد المطاع ، لا سيما والمؤتى سبب لعظمة شرعية ، وهو العلم الذي لا يقدر على إيتائه غير الله ، ولذلك بني الفعل للمفعول لأن فاعله معلوم (الْعِلْمَ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
