ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب ، أكد سؤاله إعلاما بشديد تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة ، فقال : (إِنِّي) وأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون «إلى» فقال : (لِما) أي لأي شيء. ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسببا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير ، عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميما لحالة الافتقار ، وتحققا لإنجاز الوعد بالرزق فقال : (أَنْزَلْتَ) ولعله حذف العائد اختصارا لما به من الإعياء (إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ) أي ولو قل (فَقِيرٌ) أي مضرور ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره. فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسّلام في حالهما في ذات يدهما ، وهما خلاصة ذلك الزمان ، ليكون لك في ذلك أسوة ، وتجعله إماما وقدوة ، وتقول (١) : يا بأبي وأمي! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيا ، صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها ، رفعة لدرجاتهم عنده ، واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك ، وفي القصة ترغيب في الخير ، وحث على المعاونة على البر ، وبعث على بذل المعروف مع الجهد.
(فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨))
ولما كان سماعهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببا لدعاء شعيب عليه الصلاة والسّلام له ، قال بانيا على ما تقديره : فذهبت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه بخبرهما وبإحسانه إليهما ، فأمر بدعائه ليكافئه : (فَجاءَتْهُ) أي بسبب قول الأب وعلى الفور (إِحْداهُما) أي المرأتين حال كونها (تَمْشِي) ولما كان الحياء كأنه مركب لها وهي متمكنة منه ، مالكة لزمامه ، عبر بأداة الاستعلاء فقال : (عَلَى اسْتِحْياءٍ) أي حياء موجود منها لأنها كلفت الإتيان إلى رجل أجنبي تكلمه وتماشيه ؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف
__________________
(١) مثل هذا ورد عن سيد ولد آدم صلىاللهعليهوسلم فقد قال مرة عند ما آذاه بعضهم بأن القسمة غير عادلة «يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» أخرجه البخاري ٣٤٠٥ و٦٣٣٦ ومسلم ١٠٦٢ وأحمد ١ / ٤١١ و٤٤١ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
