فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليهالسلام ـ على ما يقال ، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم مزلزلا يتعنت كل قليل ، ويقول ويفعل ما هو كفر ، حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليهالسلام ومن بعده ، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها الأصنام التي مروا عليها ، وأما غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف ، وأمرهم مشاهد مكشوف (وَإِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بإعلاء أمرك ، واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك (لَهُوَ الْعَزِيزُ) أي القادر على الانتقام من كل فاجر (الرَّحِيمُ) أي الفاعل فعل البليغ الرحمة ، فهو يمهل ويدر النعم ، ويحوط من النقم ، ولا يهمل ، بل يرسل رسلا ، وينزل معهم ما بين به ما يرضيه وما يسخطه ، فلا يهلك إلا بعد الإعذار ، فلا تستوحش ممن لم يؤمن ، ولا يهمنك ذلك.
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩))
ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى عليهالسلام ، أتبعه دلالة على رحيميته قصة إبراهيم عليهالسلام لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان ، ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في الأوثان ، وهو أعظم آباء العرب ، ليكون ذلك حاملا لهم على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد ، وزاجرا عن استعظام تسفيه آبائهم في عبادتها ، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد ، وتعبيره بقوله : (وَاتْلُ) أي اقرأ قراءة متتابعة ـ مرجح للتقدير الأول في (وإذ) من جعله «اذكر» وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على اتباعه لما لهم به من الخصوصية (عَلَيْهِمْ) أي على هؤلاء المغترين بالأوثان ، المنكرين لرسالة البشر (نَبَأَ إِبْراهِيمَ) أي خبره العظيم في مثل ذلك (إِذْ) أي حين (قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) منبها لهم على ضلالهم ، لا مستعلما لأنه كان عالما بحقيقة حالهم : (ما) أي أي شيء ، وصور لهم حالهم تنبيها لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال : (تَعْبُدُونَ) أي تواظبون على عبادته (قالُوا) مبتهجين بسؤاله ، مظهرين الافتخار في جوابهم بإطالة الكلام : (نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُ) أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي حق العبادة بأن ندوم (لَها عاكِفِينَ)
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
