فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١))
ولما كان حاصل أمر يونس عليهالسلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج من مثله ، عطف عليه قصة زكريا عليهالسلام في هبته له ولدا من بطن لم يعهد الحمل من مثله في العقم واليأس ناظرا إلى أبيه إبراهيم عليهالسلام أول من ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه إسحاق عليهالسلام تكريرا لأعلام القيامة وتقريرا للقدرة التامة فقال : (وَزَكَرِيَّا) أي اذكره (إِذْ نادى رَبَّهُ) نداء الحبيب القريب فقال : (رَبِ) بإسقاط أداة البعد (لا تَذَرْنِي فَرْداً) أي من غير ولد يرث ما آتيتني من الحكمة.
ولما كان من الوراث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه ، ومنهم من لا يحب ذلك ويسعى في إهلاك من يحجبه أو ينقصه ، ومنهم من يأخذ الإرث فيصرفه في المصارف القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته ، ومنهم من يأخذه بعفة فينفذ وصايا الموروث ويصل ذا قرابته وأهل وده ، ويتصدق عنه ، ويبادر إلى كل ما كان يحبه وينفعه ، كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه مجبولا على الحاجة والنقص ، وكان الله هو الغني الحميد ، الحكيم المجيد ، قال ملوحا بمقصده في أسلوب الإلهاب والتهييج : (وَأَنْتَ) أي والحال أنك (خَيْرُ الْوارِثِينَ) لأنك أغناهم عن الإرث وأحسنهم تصرفا ، وكثيرا ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين ، فأنت الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحبه ، فتهبني ولدا تمن عليه بذلك (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه في حال من العقم لا يرجى معه حبلها ، فكيف وقد جاوزت سن اليأس ، ولذلك عبر بما يدل على العظمة فقال : (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) وارثا حكيما نبيا عظيما (وَأَصْلَحْنا لَهُ) خاصة من بين أهل ذلك الزمان (زَوْجَهُ) أي جعلناها صالحة لكل خير ، خالصة له ولا سيما لما مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها وكبرها غير صالحة له بوجه يقدر عليه غيرنا ؛ ثم استأنف البيان لخيرية الموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال ، مؤكدا ترغيبا في مثل أحوالهم وأنها مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره : (إِنَّهُمْ كانُوا) مجبولين في أول ما خلقناهم جبلة خير ، مهيئين لأنهم (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي يبالغون في الإسراع بها مبالغة من يسابق آخر ، ودل على عظيم أفعالهم بقوله : (وَيَدْعُونَنا) مستحضرين لجلالنا وعظمتنا وكمالنا (رَغَباً) في رحمتنا (وَرَهَباً) من سطوتنا (وَكانُوا) أي جبلة وطبعا (لَنا) خاصة (خاشِعِينَ) أي خائفين خوفا عظيما يحملهم على الخضوع والانكسار.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
