أفعاله ، كما كان فرعون يعرف ، لقول موسى عليهالسلام (لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) [الإسراء : ١٠٢] : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) أي الذي زعمت أنكما رسوله. فسأل ب «ما» عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره.
ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب ، فكان تعريفها لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي ، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه ، فاستأنف قوله إخبارا عنه : (قالَ) أي موسى معرضا عن التعريف بغير الأفعال إعلاما بأنه لا شبيه له ، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه ، معرفا له سبحانه بأظهر أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه ، مشيرا إلى خطابه في طلب الماهية بأنه لا مماثل له : أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم : هو (رَبُ) أي خالق ومبدع ومدبر (السَّماواتِ) كلها (وَالْأَرْضِ) وإن تباعدت أجرامها بعضها عن بعض (وَما بَيْنَهُمَا) وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير مستغنين عنه طرفة عين ، فهذه هي المنة ، لا منتك عليّ بالتربية إلى حين استغنيت عنك ، وهذا هو الاستعباد بالإحسان ، مع العصيان بالكفران ، لا استعبادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك ، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا تجهلونه (إِنْ كُنْتُمْ) أي كونا راسخا (مُوقِنِينَ) أي متصفين بما عليه أهل العلم بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافا ثابتا ، والجواب : علمتم ذلك ، وعلمتم أنه لا جواب أسد منه ، لأن المذكور متغير ، فله مغير لا يتغير ، وهو هذا الذي أرسلنا ، أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه ، لشدة ظهوره ، وعموم نوره (قالَ) أي فرعون (لِمَنْ حَوْلَهُ) من أشراف قومه مموها أيضا : (أَلا تَسْتَمِعُونَ) أي تصغون إليه بجميع جهدكم ، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار ، لأنه سأل عن الماهية ، فأجيب بغيرها ، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه ، فهو من خفيّ مكره.
(قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤))
ولما وبخ اللعين في جوابه ، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من الفضاء غير مخلوق ، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه ، استأنف الشفاء لعيّ هذا السؤال بقوله : (قالَ) أي موسى ، مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه لمشاهدة وجود
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
