فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧))
ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به ، أشار إلى وصف الجهلة الذي سفلوا به ، فقال : (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا) أي ذكرهم غيرهم كائنا من كان ، لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله (بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة (لَمْ يَخِرُّوا) أي لم يفعلوا فعل الساقطين المستعلين (عَلَيْها) الساترين لها ؛ ثم زاد في بيان إعراضهم وصدهم عنها فقال منبها على أن المنفي القيد لا المقيد ، وهو الخرور ، بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر : (صُمًّا وَعُمْياناً) أي كما يفعل المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعا واعتبارا ، والإعراض عنها تغطية لما عرفوا من حقيتها ، وسترا لما رأوا من نورها ، فعل من لا يسمع ولا يبصر كما تقدم عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق ، وذلك وصف لعباد الرحمن بفعل ضد هذا ، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويكبون عليها ، سقوط سامع منتفع بسمعه ، بصير منتفع ببصره وبصيرته ، سجدا يبكون كما تقدم في أول أوصافهم وإن لم يبلغوا أعلى درجات البصيرة ـ بما أشارت إليه المبالغة بزيادة النون جمع العمى.
ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخصلة الأولى ، ختم بما ينتج الصفة الأولى. فقال مؤذنا بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها : (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ) علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة : (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا) اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلىاللهعليهوسلم ، فمدحت زوجته في كلامك القديم ، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين (وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ) ولما كان المتقون ـ الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها ـ قليلا في جنب العاصين ، أتى بجمع القلة ونكر فقال : (أَعْيُنٍ) أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا ، لأن الأقربين أولى بالمعروف ، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله ، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم ، ف «من» إما أن تكون مثلها في : رأيت منك أسدا ، وإما أن تكون على بابها ، وتكون القرة هي الأعمال ، أي هب لنا منهم أعمالا صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم ، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد ، فجعل ذلك كناية عن السرور (وَاجْعَلْنا) أي إيانا وإياهم (لِلْمُتَّقِينَ) أي عامة من الأقارب والأجانب.
ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
