داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩))
ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في أنفسهم ، ذكر أنه أعطاهم رتبة الإصلاح لغيرهم ، فقال معظما لإمامتهم : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً) أي أعلاما ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة. ولما كان الإمام قد يدعو إلى الردى ، ويصد عن الهدى ، إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح باطن ، احترز عن ذلك بقوله : (يَهْدُونَ) أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية (بِأَمْرِنا) وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا ، ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظما لوحيه إليهم : (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ) أي أيضا (فِعْلَ) أي أن يفعلوا (الْخَيْراتِ) كلها وهي شرائع الدين ، ولعله عبر بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم.
ولما كانت الصلاة أم الخيرات ، خصها بالذكر فقال : (وَإِقامَ الصَّلاةِ) قال الزجاج : الإضافة عوض عن تاء التأنيث. يعني فيكون من الغالب لا من القليل ، وكان سر الحذف تعظيم الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا ـ لما أشار إليه الحذف ـ بهذه المنزلة من العظمة فما الظن بصلاتنا.
ولما كانت الصلاة بين العبد والحق ، وكان روحها الإعراض عن كل فان ، عطف عليها قوله : (وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) أي التي هي مع كونها إحسانا إلى الخلق بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من الدنيا ، ففعلوا ما أوحيناه إليهم (وَكانُوا لَنا) دائما جبلة وطبعا (عَبْدَيْنِ) أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم ، فعل العبد مع مولاه من كل ما يجب له من الخدمة ، ويحق له من التعظيم والحرمة.
ولما كان سبحانه قد سخر لصديقه لوط عليهالسلام إهلاك من عصاه في أول الأمر بحجارة الكبريت التي هي من النار ، وفي آخره بالماء الذي هو أقوى من النار ، تلاه به فقال : (وَلُوطاً) أي وآتيناه أو واذكر لوطا ؛ ثم استأنف قوله : (آتَيْناهُ) أي بعظمتنا (حُكْماً) أي نبوة وعملا محكما بالعلم (وَعِلْماً) مزينا بالعمل (وَنَجَّيْناهُ) بانفرادنا بالعظمة.
ولما كانت مادة «قرا» تدل على الجمع ، قال : (مِنَ الْقَرْيَةِ) المسماة سدوم ، أي من عذابهم وجميع شرورهم ، وأفرد تنبيها على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة ، وقال أبو حيان : وكانت سبعا ، عبر عنها بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة. (الَّتِي كانَتْ) قبل إنجائنا له منها (تَعْمَلُ الْخَبائِثَ) بالذكران ، وغير ذلك من الطغيان ، فاستحقوا النار التي هي أمر المؤلمات ، بما ارتكبوا من الشهوة المحظورة لعدهم لها أحلى الملذذات ، والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه ـ مع أنا جعلنا من
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
