ولما كان هذا متضمنا لإنكار رسالة البشر ، صرحوا به في قولهم كذبا وبهتانا كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف عليه الصلاة والسّلام : (ما سَمِعْنا بِهذا) أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن يعبد غير الله بقصد التقريب إليه ، فجعلوا الإله حجرا ، وأحالوا كون النبي بشرا (فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد.
(إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩))
ولما نفوا عنه الرسالة وحصروا أمره في قصد السيادة ، وكانت سيادته لهم بمثل هذا عندهم من المحال ، قالوا : (إِنْ) أي ما (هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ) أي جنون في قصده التفضل بما يورث بغضه وهضمه ولا نعرف له وجها مخصصا به ، فلا نطيع له فيه أبدا (فَتَرَبَّصُوا بِهِ) أي فتسبب عن الحكم بجنونه أنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على مجنون (حَتَّى) أي إلى (حِينٍ) لعله يفيق أو يموت ، فكأنه قيل : فما قال؟ فقيل : (قالَ) عندما أيس من فلاحهم : (رَبِّ انْصُرْنِي) أي أعني عليهم (بِما كَذَّبُونِ) أي بسبب تكذيبهم لي ، فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل (فَأَوْحَيْنا) أي فتسبب عن دعائه أنا أوحينا (إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ) أي السفينة.
ولما كان يخاف من أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال : (بِأَعْيُنِنا) أي إنه لا يغيب عنا شيء من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق بحفظنا ولا تخف شيئا من أمرهم. ولما كان لا يعلم تلك الصنعة ، قال : (وَوَحْيِنا) ثم حقق له هلاكهم وقربه بقوله : (فَإِذا جاءَ أَمْرُنا) أي بالهلاك عقب فراغك منه (وَفارَ التَّنُّورُ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : وجه الأرض. وفي القاموس : التنور : الكانون يخبز فيه ، ووجه الأرض ، وكل مفجر ماء ، وجبل قرب المصيصة ـ انتهى. والأليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية في آية (فَاسْلُكْ) أي فادخل (فِيها) أي السفينة (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ) من الحيوان (اثْنَيْنِ) ذكرا وأنثى (وَأَهْلَكَ) من أولادك وغيرهم (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ) لا له (الْقَوْلُ مِنْهُمْ) بالهلاك لقطع ما بينك وبينه من الوصلة بالكفر.
ولما كان التقدير : فلا تحمله معك ولا تعطف عليه لظلمه ، عطف عليه قوله :
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
