«أطيعوا الله» فيكون من مقول (قُلْ وَآتُوا الزَّكاةَ) فهي نظام ما بينكم وبين إخوانكم (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به ، فإنما هو عن أمر ربكم (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي لتكونوا عند من يجهل العواقب على رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره.
(لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠))
ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان ، كان الحال جديرا بتأكيد معنى التمكين ، جوابا لسؤال من كأنه قال : وهل ذلك ممكن فقال : (لا تَحْسَبَنَ) أي أيها المخاطب (الَّذِينَ كَفَرُوا) أي وإن زادت كثرتهم على العد ، وتجاوزت عظمتهم الحد ، فإن ذلك الحسبان ضعف عقل ، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره ، ويجوز أن يكون خطابا للنبي صلىاللهعليهوسلم لزيادة تحقيقه ، لأنه على قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد (مُعْجِزِينَ) لأهل ودنا (فِي الْأَرْضِ) فإنهم مأخوذون لا محالة (وَمَأْواهُمُ) أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ (النَّارُ.) ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال : (وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) مصيرها! فكيف إذا كان على وجه السكنى.
ولما كان الملل من شيم النفوس ، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما الأحكام شيئا فشيئا خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب ، وأشهى إلى الطبع ، لا سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة ، وضروب من الاتصالات هي مع دقتها غريبة ، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها ، وفصلها بدر الوعظ ، وجواهر الحكم ، والحث على معالي الأخلاق ، ومكارم الأعمال ، ثم وصلها بالإلهيات التي هي أصولها ، وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها ، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا الدين ، وتوهين أمر المعتدين ، شرع في إكمالها ، بإثبات بقية أحوالها ، تأكيدا لما حكم به من التمكين ، وما ختمه من ذلك من التوهين ، وتحذيرا مما ختمه به من العذاب المهين ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
