بما يقتضي الاختصاص ، لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في الإيمان به ، فقال : (بِالْآخِرَةِ هُمْ) أي المختصون بأنهم (يُوقِنُونَ) أي يوجدون الإيقان حق الإيجاد ويجددونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة ، والإحجام عن المعصية.
ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها مركوزا في الطباع ، لما عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع ، تشوفت نفس السامع على سبيل التعجب إلى حالهم ، فقال مجيبا له مؤكدا تعجيبا ممن ينكر ذلك : (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) أي يوجدون الإيمان ويجددونه (بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا) أي بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها (لَهُمْ أَعْمالَهُمْ) أي القبيحة ، حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها ، والإسناد إليه سبحانه حقيقي عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي ، وإلى الشيطان مجاز سببي (فَهُمْ) أي فتسبب عن ذلك أنهم (يَعْمَهُونَ) أي يخبطون خبط من لا بصيرة له أصلا ويترددون في أودية الضلال ، ويتمادون في ذلك ، فهم كل لحظة في خبط جديد ، بعمل غير سديد ولا سعيد ، فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال.
(أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠))
ولما خص المؤمنين بما علم منه أن لهم حسن الثواب ، وأنهم في الآخرة هم الفائزون ، ذكر ما يختص به هؤلاء من ضد ذلك فقال : (أُوْلئِكَ) أي البعداء البغضاء (الَّذِينَ لَهُمْ) أي خاصة (سُوءُ الْعَذابِ) في الدارين : في الدنيا بالأسر والقتل والخوف (وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ) المختصون بأنهم (الْأَخْسَرُونَ) أي أشد الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله ، وهو أنفسهم التي لا يمكنهم إخلافها.
ولما وصف القرآن من الجمع والفرقان ، بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران ، وكان حاصل حال الكفرة أنهم يتلقون كفرهم الذي هو في غاية السفه إما عن الشياطين الذين هم في غاية الشر ، وإما عن آبائهم الذين هم في غاية الجهل ، وصف النبي صلىاللهعليهوسلم بضد حالهم ، فذكر جلالة المنزل عليه والمنزل ليكون أدعى إلى قبوله. فقال عاطفا على (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ : وَإِنَّكَ) أي وأنت أشرف الخلق وأعلمهم وأحلمهم
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
