قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢))
ولما كانت ـ لما تقدم ـ في حكم المنسي عند أغلب الناس قال : (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها) أي عن إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها (مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها) بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب للمكاثرة المثمر لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة ، فإن من انصد عن ذلك غير بعيد الحال ممن كذب بها ، والمقصود من العبارة نهي موسى عليهالسلام عن التكذيب ، فعبر عنه بنهي من لا يؤمن عن الصد إجلالا لموسى عليهالسلام ، ولأن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب ، ولأن صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على السبب ، فكأنه قيل : كن شديد الشكيمة صليب المعجم ، لئلا يطمع أحد في صدك وإن كان الصاد هم الجم الغفير ، فإن كثرتهم تصل إلى الهوى لا إلى البرهان ، وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليل ، وزجر بليغ عن التقليد ، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله نبه عليه الكشاف. ثم بين العلة في التكذيب بها والكسل عن التشمير لها بقوله : (وَاتَّبَعَ) أي بغاية جهده (هَواهُ) فكان حاله حال البهائم التي لا عقل لها ، تنفيرا عن مثل حاله ؛ ثم أعظم التحذير بقوله مسببا : (فَتَرْدى) أي فتهلك ، إشارة إلى أن من ترك المراقبة لحظة حاد عن الدليل ، ومن حاد عن الدليل هلك.
ولما كان المقام مرشدا إلى أن يقال : ما جوابك يا موسى عما سمعت؟ وكان تعالى عالما بأنه يبادر إلى الجواب بالطاعة في كل ما تقدم ، طوى هذا المقال مومئا إليه بأن عطف عليه قوله : (وَما تِلْكَ) أي العالية المقدار (بِيَمِينِكَ يا مُوسى) مريدا ـ بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه ـ إقامة البينة لديه بما يكون دليلا على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ما لم يكن ، بقلب العصا حية بعد تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند السؤال عنها ليزداد بذلك ثباتا ويثبت من يرسل إليهم (قالَ هِيَ) أي ظاهرا وباطنا (عَصايَ) ثم وصل به مستأنسا بلذيذ المخاطبة قوله بيانا لمنافعها خوفا من الأمر بإلقائها كالنعل : (أَتَوَكَّؤُا) أي أعتمد وأرتفق وأتمكن (عَلَيْها) أي إذا أعييت أو عرض لي ما يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك ؛ ثم
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
