ولما كانت العناية فيها بالناس أكثر ، قال : (لِلنَّاسِ) فقدمهم في الذكر (فِي هذَا الْقُرْآنِ) أي عامة هذه السورة وغيرها (مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام الجبال ، في عبارة هي أرشق من سائر الأمثال.
ولما كان المختوم على مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء. وكان ذلك من أدل دليل على علمه تعالى وقدرته ، قال مقسما تكذيبا لقولهم في الاقتراحات خاصا من أهل العلم والإيمان رأسهم ، دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل عن الوصف ، معبرا بالشرط إعلاما بأنه سبحانه لا يجب عليه شيء ، عاطفا على نحو : فلم ينفعهم شيء من ذلك : (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ) أي الناس عامة (بِآيَةٍ) أي دلالة واضحة على صدقك معجزة ، غير ما جئتهم به مما اقترحوه ووعدوا الإيمان به مرئية كانت أو مسموعة (لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء ، ودل على فرط عنادهم بقوله : (إِنْ) أي ما ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على النفس ، ضم إليه أتباعه تسلية وبيانا لعظيم شقاقهم فقال : (أَنْتُمْ) أي أيها الآتي بالآية وأتباعه (إِلَّا مُبْطِلُونَ) أي من أهل العرافة في الباطل بالإتيان بما لا حقيقة له في صورة ما له حقيقة ، وأما الذين آمنوا فيقولون : نحن بهذه الآية مؤمنون.
ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر على التكذيب بالحق ، ولا يصغي لدليل ، ولا يهتدي لسبيل ، قال مستأنفا في جواب من سأله : هل يكون مثل هذا الطبع؟ ومرغبا في العلم : (كَذلِكَ) أي مثل هذا الطبع العظيم جدا ، ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة جامعا إلى العظمة تمام العلم والحكمة ، صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم الجامع فقال : (يَطْبَعُ اللهُ) أي الذي لا كفوء له ، فمهما أراد كان ، عادة مستمرة ، ونبه على كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال : (عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) أي لا يجددون ـ أي لعدم القابلية ـ العلم بأن لا يطلبوا علم ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضىّ منهم بما عندهم من جهالات سموها دلالات ، وضلالات ظنوها هدايات وكمالات.
ولما كان هذا مذكرا بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم ، سبب عنه قوله : (فَاصْبِرْ) أي على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى ، فإن الكل فعلنا لم يخرج منه شيء عن إرادتنا.
ولما كان قد تقدم إليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على كل أمر ، علله بقوله مؤكدا لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم المخالفين وكثرتهم مظهرا غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع : (إِنَّ وَعْدَ اللهِ) أي الذي له الكمال كله في كل ما وعدك به
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
