إيساغ الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته ، والعبارة شديدة جدا من حيث كانت تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوما ما كان هذا حاله ، وهي تدل على أنه تكون منهم معاذير ، وترقق كثير ، وتذلل كبير ، فلا يقبل منه شيء ـ هذا على قراءة الجماعة بتأنيث الفعل وهي أبلغ من قراءة الكوفيين بتذكيره بتأويل العذر ، لأنه إذا لم ينفع الاعتذار الكثير لم ينفع القليل الذي دل عليه المجرد ولا عكس ، ويمكن أن يكون قراءة الجمهور متوجهة للكفرة وقراءة الكوفيين للعصاة من المؤمنين ، فإن منهم من ينفعه الاعتذار فيعفى عنه ، ويشهد لهذا ما ورد في آخر أهل النار خروجا منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ربه سبحانه أنه لا يسأله غير ذلك ، فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل أن يقدمه إلى ظلها فيقول الله : ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسأل؟ فيقول : بلى! يا رب! ولكن لا أكون أشقى خلقك ـ الحديث (١) ، وفيه «وربه يعذره» فهذا قد قبل عذره في الجملة ، ولا يطلب منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل ، وقد فات محله ، فأتت المغفرة من وراء ذلك كله.
ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال : (وَلا هُمْ) أي الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها (يُسْتَعْتَبُونَ) أي يطلب منهم ظاهرا أو باطنا بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب ، وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه المعتوب ، لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد فات محلها بكشف الغطاء لفوات الدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيمانا بالغيب ، والعبارة تدل على أن المؤمنين يعاتبون عتابا يلذذهم.
ولما أبانت هذه السورة طرق الإيمان أيّ بيان ، وألقت على وجوه أهل الطغيان غاية الخزي والهوان ، وكان التقدير : لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ما في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال ، ولم نبق لأحد عذرا ولا شيئا من إشكال ، لكونها ليس لها في وضوحها مثال ، عطف عليه قوله صارفا الكلام إلى مقام العظمة تقبيحا لمخالفتهم لما يأتي من قبله وترهيبا من الأخذ مؤكدا لأنهم ينكرون أن يكون في القرآن دلالة ، ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم مقام إنكاره : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا).
__________________
(١) أخرجه أحمد ٢ / ٢٩٣ ـ ٢٩٤ و٢٧٥ و٢٧٦ و٥٣٣ ـ ٥٣٤ أيضا في ١ / ٣٩١ ـ ٣٩٢ و٤١٠ ـ ٤١١ والبخاري ٦٥٧٣ و٧٤٣٧ مسلم ١٨٢ و١٨٧ وابن حبان ٧٤٢٩ و٧٤٣٠ والطبراني ٩٧٧٥ وابن منده في الإيمان ص ٤٧٤ والبيهقي في البعث ٩٦ والبغوي ٤٣٥٥ وأبي يعلى ٤٩٨٠ و٥٢٩٠ وابن خزيمة في التوحيد ص / ٢٣١ عن أبي هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
