ولما كان هذا دالا على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء ، فإن جميع ما لا ينبته الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيما تذروه الرياح ، ويتفتت بحيث يصير ترابا ، فإذا نزل عليه الماء عاد كما كان أو أحسن قال : (إِنَّ ذلِكَ) أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا (لَمُحْيِ الْمَوْتى) كلها من الحيوانات والنباتات ، أي ما زال قادرا على ذلك ثابتا له هذا الوصف ولا يزال (وَهُوَ) مع ذلك (عَلى كُلِّ شَيْءٍ) من ذلك وغيره (قَدِيرٌ) لأن نسبة القدرة منه سبحانه إلى كل ممكن على حد سواء.
ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علما بالله تعالى ، دل على ذلك بقوله ، لافتا الكلام إلى سياق العظمة تنبيها على عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة ، مؤكدا له غاية التأكيد ، تنبيها على أنه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ ، معبرا بأداة الشك ، تنبيها على أن إنعامه أكثر من انتقامه ، مؤكدا بالقسم لإنكارهم الكفر : (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا) بعد وجود هذا الأثر الحسن (رِيحاً) عقيما (فَرَأَوْهُ) أي الأثر ، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب (مُصْفَرًّا) قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد (لَظَلُّوا) أي لداموا وعزتنا لهذا يجددون الكفر أبدا وإن كان «ظل» معناه : دام نهارا ، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو «ليظللن والله» تأكيدا لتحقيقه ، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر ، ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال : (مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد اصفراره (يَكْفُرُونَ) بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من تعرفه سبحانه إليهم بالإحسان ، بعد ما التقت حلقتا البطان ، وكان وكان فلا هم عند السراء بالرحمة شكروا ، ولا عند الضراء بالنقمة صبروا ، بل لم يزيدوا هناك على الاستبشار ، ولا نقصوا هنا شيئا من تجديد الكفر والإصرار ، فلم يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة ، ولم يسبقوا في إزالة النقم ، ولا إنالة النعم ، فكانوا أضل من النعم.
(فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥))
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
