ولما كان سبحانه قد سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا كثيرا ما يشاهدون تخلف الأثر لعوارض ينتجها سبحانه ، قال مسببا عن ذلك مشيرا بأداة التحقق إلى عظيم فضله وتحقق إنعامه : (فَإِذا أَصابَ) أي الله (بِهِ مَنْ) أي أرض من (يَشاءُ) ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد أصلا شيء بقوله : (مِنْ عِبادِهِ) أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم ، وهم جديرون بملازمة شكره ، والخضوع لأمره ، خاصا لهم بقدرته واختياره ، وبين خفتهم بإسراعهم إلى الاستبشار مع احتمال العاهات ، جامعا ردا على معنى «من» أو على «العباد» لأن الخفة من الجماعة أفحش فقال : (إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) أي يظهر عليهم البشر ، وهو السرور الذي تشرق له البشرة حال الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما يرجونه مما يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين ؛ ثم بين طيشهم وعجزهم بقوله : (وَإِنْ) أي والحال أنهم (كانُوا) في الزمن الماضي كونا متمكنا في نفوسهم ، وبين قرب يأسهم من استبشارهم دلالة على سرعة انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار ، فقال : (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ) أي المطر بأيسر ما يكون عليه سبحانه (عَلَيْهِمْ) ثم أكد عظم خفتهم وعدم قدرتهم بقوله : (مِنْ قَبْلِهِ) أي الاستبشار سواه من غير تخلل زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب في المطر (لَمُبْلِسِينَ) أي ساكتين على ما في أنفسهم تحيرا ويأسا وانقطاعا ، فلم يكن لهم على الإتيان بشيء من ذلك حيلة ، ولا لمعبوداتهم صلاحية له باستقلال ولا وسيلة.
ولما انكشف بذلك الغطاء ، وزاحت الشبه ، أعرض سبحانه عنهم على تقدير أن يكون «ترى» لمن فيه أهلية الرؤية إيذانا بأنه لا فهم لهم ملتفتا إلى خلاصة الخلق الصالح للتلقي عنه قائلا مسببا عن ذلك : (فَانْظُرْ) ولما كان المراد تعظيم النعمة ، وأن الرزق أكثر من الخلق ، عبر بحرف الغاية إشارة إلى تأمل الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال : (إِلى آثارِ) ولما لم يكن لذلك سبب سوى سبق رحمته لغضبه قال : (رَحْمَتِ اللهِ) الجامع لمجامع العظة ، وأظهر ولم يضمر تنبيها على ما في ذلك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا الأرض واهتزازها بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار ، وتكون الكل من ذلك الماء.
ولما كان هذا من الخوارق العظيمة ، ولكنه قد تكرر حتى صار مألوفا ، نبه على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال : (كَيْفَ يُحْيِ) أي هذا الأثر أو الله مرة بعد أخرى (الْأَرْضَ) بإخراج ما ذكر منها.
ولما كانت قدرته على تجديد إحيائها دائة ـ على ما أشار إليه المضارع ودعا إليه مقصود السورة ، أشار إلى ذلك أيضا بترك الجار فقال : (بَعْدَ مَوْتِها) بانعدام ذلك.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
