ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم ، ونظرهم لآثارهم ، وسماعهم لأخبارهم ، لم يتعظوا ، أشير إلى أنهم عدم ، بصرف الخطاب عنهم ، وتوجيهه إلى السامع المطيع ، فقال مسببا عما مضى من إقامة الأدلة والوعظ والتخويف : (فَأَقِمْ) أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه ، لأنا فضلناه على جميع الخلق (وَجْهَكَ) أي لا تلفته أصلا (لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) الذي لا عوج فيه بوجه ، بل هو عدل كله ، من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان ، فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين ، لكونه سهلا فيما تسبب الإعانة عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء ، وفي الباطن بالجبل عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس ، ويصير فيه كالجبل رسوخا.
ولما كان حفظ الاستقامة عزيزا ، أعاد التخويف لحفظ أهلها ، فقال ميسرا الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار ، إشارة إلى الرضا باليسير من العمل ولو كان ساعة من نهار ، بشرط الاتصال بالموت : (مِنْ قَبْلِ) وفك المصدر للتصريح فقال : (أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) أي عظيم ، وهو يوم القيامة ، أو الموت ، وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله : (لا مَرَدَّ لَهُ) ولفت الكلام في رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال : (مِنَ اللهِ) وإذا لم يرده هو لوعده بالإتيان به ، وهو ذو الجلال والإكرام ، فمن الذي يرده.
ولما حقق إتيانه ، فصل أمره مرغبا مرهبا ، فقال : (يَوْمَئِذٍ) أي إذ يأتي (يَصَّدَّعُونَ) أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم ـ بما أشار إليه الإدغام ، فيقولون : ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار.
ولما كان المعنى أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير ، بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من كأنه قال : إلى أين يتفرقون؟ قائلا : (مَنْ كَفَرَ) أي منهم فعمل شيئا (فَعَلَيْهِ) أي لا على غيره (كُفْرُهُ) أي وباله ، وعلى أنفسهم يعتدون ولها يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون ، ومن كان عليه كفره الذي أوبقه إلى الموت ، فلا خلاص له فيما بعد الفوت ، ووحد الضمير ردا له على لفظ من نصا على أن كل واحد مجزيّ بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع ، وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين ، لأنهم لا مولى لهم ، ولتفرق كلمتهم (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر : ١٤] ولأنه لا اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض ، بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ما يتفق لغيره (وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً) أي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
