نزع الجار ، أما الأول والآخر فبالصبح والعصر ، وأما الآخران فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها ، وحينئذ تكون الدلالة على فضيلة الصبح والعصر من وجهين : التقديم والتكرير ، وإلى ذلك الإشارة بالحديث ، وإذا أريد إدخال النوافل حملت الأطراف على الساعات ـ والله الهادي.
ولما كان الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجاء عنده أغلب ، ذكر الجزاء بكلمة الإطماع لئلا يأمن فقال : (لَعَلَّكَ تَرْضى) أي افعل هذا لتكون على رجاء من أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة ، بإظهار دينك وإعلاء أمرك ، ولا يجعلك في عيش ضنك في الدنيا ولا في الآخرة ـ هذا على قراءة الكسائي وأبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول ، والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل : لتكون على رجاء من أن تكون راضيا دائما في الدنيا والآخرة ، ولا تكون كذلك إلا وقد أعطاك ربك جميع ما تؤمل.
ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا ، مرهونة بالحاضر من فاني العطايا ، وكان تخليها عن ذلك هو الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها ، قال مؤكدا إيذانا بصعوبة ذلك : (وَلا تَمُدَّنَ) مؤكدا له بالنون الثقيلة (عَيْنَيْكَ) أي لا تطوّل نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصدا النظر للاستحسان (إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ) بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في هذه الحياة الفانية (أَزْواجاً) أي أصنافا متشاكلين (مِنْهُمْ) أي من الكفرة (زَهْرَةَ) أي تمتيع (الْحَياةِ الدُّنْيا) لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم له في أوامر الله ، فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعودا ، ثم علل تمتيعهم بقوله تعالى : (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي لنفعل بهم فعل المختبر ، فيكون سبب عذابهم في الدنيا بالعيش الضنك لما مضى ، وفي الآخرة بالعذاب الأليم ، فصورته تغر من لم يتأمل معناها حق التأمل ، فما أنت فيه خير مما هم فيه (وَرِزْقُ رَبِّكَ) الذي عود به أولياءه ـ وهو في دار السفر ـ الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق (خَيْرٌ) من زهرتهم ، لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي (وَأَبْقى) فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة على وجه لا يمكن أحدا من الخلق حصره ، وتكون الدنيا كلها فضلا عما في أيديهم أقل من قطرة بالنسبة إلى بحره ، وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه ـ وإن كان الكل منه ـ للتشريف ، وفي التعبير بالرب إيذان بالحل ، وفيه إشارة إلى ظهوره عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في الصالحين والطالحين.
ولما أمر بتزكية النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير ، لأن ذلك أدل على الإخلاص ، وأجدر بالخلاص ، كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول الله صلىاللهعليهوسلم لمن
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
