أول ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه (وَ) لو لا (أَجَلٌ مُسَمًّى) ضربه لكل شيء لكان الأمر كذلك أيضا ، لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يعجل ، وضرب الأجل فهو لا يأخذ قبله ، وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل بالإمهال فكيف إذا اجتمعا ، فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل وإن زاد العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار الفرج فقال : (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) لك من الاستهزاء وغيره.
ولما كان الصبر شديدا على النفس منافرا للطبع ، لأن النفس مجبولة على النقائص ، مشحونة بالوساوس ، أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات ، وبدأ بالأول لأنه العون على الثاني ، وذكر أشرف الحلي فقال : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي اشتغل بما ينجيك من عذابه ، ويقربك من جنابه ، بأن تنزه من أحسن إليك عن كل نقص ، حال كونك حامدا له بإثبات كل كمال ، وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره بالذكرين ، غير ملتفت إلى شيء سواه (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) صلاة الصبح (وَقَبْلَ غُرُوبِها) صلاة العصر والظهر ؛ وغير السياق في قوله : (وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ) أي ساعاته ، جمع إنو ـ بكسر ثم سكون ، أي ساعة ، لأن العبادة حينئذ أفضل لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب ، ولأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في التكليف فكانت أفضل عند الله (فَسَبِّحْ) أي بصلاة المغرب والعشاء ، إيذانا بعظمة صلاة الليل ، وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاما بمزيد فضلهما ، لأن ساعتيهما أثناء الطي والبعث فقال : (وَأَطْرافَ النَّهارِ) ويؤيد ما فهمته من أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا (١) ، ثم قرأ هذه الآية. وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة ، على أن لفظ «آناء وأطراف» صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلا ونهارا ، وأفاد بذكر الجارّ في الآناء التبعيض ، لأن الليل محل الراحة ، ونزعه من الأطراف لتيسر استغراقها بالذكر ، لأن النهار موضع النشاط واليقظة ، ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح ، وما قبل الغروب العصر فقط ، وببعض الآناء المغرب والعشاء ، وأدخل الجار لكونهما وقتين ، وبجميع الأطراف الصبح والظهر والعصر ، لأن النهار له أربعة أطراف : أوله ، وآخره وآخر نصفه الأول ، وأول نصفه الثاني ، والكل مستغرق بالتسبيح ، ولذلك
__________________
(١) أخرجه أحمد ٤ / ٣٦٠ والبخاري ٤٨٥١ وأبو داود ٤٧٢٩ والترمذي ٢٥٥١ عن جرير.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
