من أرضهم ، فسيصير عدم دخولهم فيه سببا لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك ، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك.
ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره ، وأثبت الجزاء فيها ، وأن العاقبة للمتقين ، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة ، فقال مستأنفا مقررا مؤكدا لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صلىاللهعليهوسلم من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ) أي أوجب (عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي الجامع لما تفرق من المحاسن ، المفصل لما التبس من جميع المعاني ، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم ، وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف (لَرادُّكَ) أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته (إِلى مَعادٍ) أي مرجع عظيم يا له من مرجع! يجزى فيه كل أحد بما عمل ، فيبعثك ربك فيه ثوابا على إحسانك في العمل مقاما محمودا يغبطك فيه الأولون والآخرون ، بما عانيت في أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال ، ولو لا الرد إلى هذا المعاد لكانت هذه التكاليف ـ التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة فيها ـ من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة لك ، والآية مثل قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) [البقرة : ٢٨١] ، (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة : ٢٨](إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ) [المائدة : ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات ، ويجوز أن يقال : إلى معاد أيّ معاد ، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود إليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة : وطنك الدنيوي ، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه البخاري (١) ، وعود هو لجلالته أهل لأن يذكر لدخولك إليها في جنود يعز بها الإسلام ، ويذل بها الكفر وأهله على الدوام ، والجنة المزخرفة : وطنك الأخروي ، على أكمل الوجوه وأعلاها ، وأعزها وأولاها ، فلا تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسّلام : إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها ، وإسماعيل في العلو به من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها ، بل يسلك بك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة والسّلام ـ الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان ، والذي أشركوك به في قولهم (لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى) [القصص : ٤٨] ـ في إعادته إلى
__________________
(١) أخرجه البخاري ٤٧٧٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
