يُرِيدُونَ) ولم يقل : يتعاطون ـ مثلا ، تعظيما لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب ، إعلاما بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريبا منه اقتحمته لا محالة (عُلُوًّا) أي شيئا من العلو (فِي الْأَرْضِ) فإنه أعظم جارّ إلى الفساد ، وإذا أرادوا شيئا من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر ، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم (وَلا فَساداً) بعمل ما يكره الله ، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون ، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم ، لا لحظ دنيوي ، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولا ، ولا مال الله دولا ، والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا.
ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى ، أخبر سبحانه أنه دائما يجعل ظفرهم آخرا ، فقال معبرا بالاسمية دلالة على الثبات : (وَالْعاقِبَةُ) أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة ، هكذا الأصل ، ولكنه أظهر تعميما وإعلاما بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى : (لِلْمُتَّقِينَ) أي دائما في كلا الدارين ، لا عليهم ، فمن اللام يعرف أنها محمودة ، وهذه الآية يعرف أهل الآخرة من أهل الدنيا ، فمن كان زاهدا في الأولى مجتهدا في الصلاح ، وكان ممتحنا في أول أحواله مظفرا في ماله ، فهو من أبناء الآخرة ، وإلا فهو للدنيا.
ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين ، وكان لا بد من إتيان الآخرة ، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال ، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين ، فاستؤنف تفصيل ذلك جوابا لمن كأنه قال : ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ بقوله : (مَنْ جاءَ) أي في الآخرة أو الدنيا (بِالْحَسَنَةِ) أي الحالة الصالحة (فَلَهُ) من فضل الله (خَيْرٌ مِنْها) من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى (وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ) وهي ما نهى الله عنه ، ومنه إخافة المؤمنين (فَلا يُجْزَى) من جاز ما ، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال : (الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ) تصويرا لحالهم تقبيحا لها وتنفيرا من عملها ، ولعله جمع هنا وأفرد أولا إشارة إلى أن المسيء أكثر (إِلَّا) مثله سواء عدلا منه تعالى ، هكذا كان الأصل ، ولكنه قال : (ما كانُوا) أي بجميع هممهم (يَعْمَلُونَ) مبالغة في المثلية ، هذا في الآخرة ، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي ، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن ، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
