بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني عن ذلك ، فقال تعالى ذاكرا لحال المفعول وهو (مِنْ) : (وَلا) أي أهلكهم والحال أنهم لا يسألون ـ هذا الأصل ، ولكنه قال : (يُسْئَلُ) أي من سائل ما (عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام ، وهو قطع ما ينبغي وصله بوصل ما ينبغي قطعه ، ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه الخشن قوله سبحانه دليلا على إجرامه ، وطغيانه في آثامه : (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ) أي الذين نصحوه في الإقتصاد في شأنه ، والإكثار في الجود على إخوانه ، ثم ذكر حاله معظما لها بقوله : (فِي زِينَتِهِ) أي التي تناسب ما ذكرنا من أمواله ، وتعاظمه في كماله من أفعاله وأقواله.
ولما كان كأنه قيل : ما قال قومه؟ قيل : (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ) أي هم بحيث يتجدد منهم أن يريدوا (الْحَياةَ الدُّنْيا) منهم لسفول الهمم وقصور النظر على الفاني ، لكونهم أهل جهل وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة المحسود : (يا لَيْتَ لَنا) أي نتمنى تمنيا عظيما أن نؤت من أيّ مؤت كان وعلى أيّ وجه كان (مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) من هذه الزينة وما تسببت عنه من العلم ، حتى لا نزال أصحاب أموال ، ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من يريد الآخرة ينكر عليهم : (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ) أي نصيب وبخت في الدنيا (عَظِيمٍ) بما أوتيه من العلم الذي كان سببا له إلى جميع هذا المال ، ودل على جهلهم وفضل العلم الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه باتباعه قوله : (وَقالَ الَّذِينَ) وعظم الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة إلى أنه نافع بكل اعتبار وباعتبار الزهد ، وبالتعبير عن أهل الزهد به فقال : (أُوتُوا الْعِلْمَ) أي من قومه ، فشرفت أنفسهم عن إرادة الدنيا علما بفنائها ، زجرا لمن تمنى مثل حاله ، وشمرا إلى الآخرة لبقائها : (وَيْلَكُمْ) أي عجبا لكم ، أو حل بكم الشر حلولا ، وأصل ويل ، «وي» قال الفراء : جيء بلام الجر بعدها مفتوحة ما المضمر نحو وي لك ، ووي له ، أي عجبا لك وله ، ثم خلط اللام بوي لكثرة الاستعمال حتى صارت كلام الكلمة فصار معربا بإتمامه ثلاثيا ، فجاز أن يدخل بعدها لام أخرى في نحو ويلا لك ، لصيرورة الأول لام الكلمة ، ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل : ويل لك ، وهو باق على ما كان عليه في حال النصب إذ الأصل في ويل لك : هلكت ويلا ، أي هلاكا ، فرفعوه بعد حذف الفعل نفضا لغبار الحدوث ، وقيل : أصل ويل الدعاء بالهلاك ، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى كما استعمل لا أبا لك ـ وأصله الدعاء على الرجل ـ في الحث على الفعل ، فكأنهم قالوا : ما لنا يحل بنا الويل؟ فأخبروهم بما ينبغي معرضين عما استحقوا به الويل من التمني ،
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
