ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف والإجحاف ، قالوا : (وَلا تَبْغِ) أي لا ترد إرادة ما (الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ) بتقتير ولا تبذير ، ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير ، ثم أتبع ذلك علته مؤكدا لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا ، وأكثر الناس يستبعد أن يبسط فيها لغير محبوب ، فقيل : (إِنَّ اللهَ) أي العالم بكل شيء ، القدير على كل شيء (لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) أي لا يعاملهم معاملة من يحبه ، فلا يكرمهم.
ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله ، وكان قد أبطرته النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في أسلوب التأكيد لأن كل أحد يعلم من نفسه العجز ، وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله بقوته : (قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ) أي هذا المال (عَلى عِلْمٍ) حاصل (عِنْدِي) فأنا مستحق لذلك ، وذلك العلم هو السبب في حصوله ، لا فضل لأحد عليّ فيه ـ بما يفيده التعبير بإنما ، وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من هو ، وقد قيل : إن ذلك العلم هو الكيمياء.
ولما كان التقدير : ألا يخاف أن يسلبه الله ـ عقوبة له على هذا ـ علمه وماله ونفسه؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو بقدرة الله؟ لا صنع له في الحقيقة في ذلك أصلا ، لأن الله قد أفقر من هو أجل منه حيلة وأكثر علما ، وأعطى أكثر منه من لا علم له ولا قدرة ، فهو قادر على إهلاكه ، وسلب ما معه وإفنائه ، كما قدر على إيتائه ، عطف عليه قوله منكرا عليه : (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ) أي بما له من صفات الجلال والعظمة والكمال (قَدْ أَهْلَكَ) ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع قرب الزمان بإدخال من في قوله : (مِنْ قَبْلِهِ) ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ذلك الوصف جميع ما تقدمه من الزمان (مِنَ الْقُرُونِ) أي الذين هم في الصلابة كالقرون (مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ) أي قرون (قُوَّةً) أي في البدن ، والمعاني من العلم وغيره ، والأنصار والخدم (وَأَكْثَرُ جَمْعاً) في المال والرجال ، آخرهم فرعون الذي شاوره في ملكه ، وحقق أمره يوم مهم هلكه ، وكان يستعبده أمثاله ويسومهم سوء العذاب ، ولم يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم عند أحد منهم ولا جمع ، بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم.
ولما كانت عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا إهلاكه عاتبوه ، فتارة يحلف على نفي الذنب فيقبل منه وإن كان كاذبا ، وتارة يكشف الحال عن أن باطن أمره على خلاف ما ظهر من شره ، فيكون له عذر خفي ، أشار سبحانه إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من العقوبة ، وأما المطلع على
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
