الإعذار ، ببيان الآيات الكبار ، قانعا في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما ، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسّلام برهانا ، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) أي الأشراف ، معظما لهم استجلابا لقلوبهم (ما عَلِمْتُ لَكُمْ) وأعرق في النفي فقال : (مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) نفى علمه بذلك إظهارا للنصفة ، وأنه ما قصد غشهم ، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم ، إشارة منه إلى أن انتفاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسّلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات ، وظاهر الدلالات ؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلما له صنعة الآجر لأنه أول من عمله ، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول : اصنع لي آجرا : (فَأَوْقِدْ لِي) أضاف الإيقاد إليه إعلاما بأنه لا بد منه (يا هامانُ) وهو وزيره (عَلَى الطِّينِ) أي المتخذ لبنا ليصير آجرا ؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله : (فَاجْعَلْ لِي) أي منه (صَرْحاً) أي بناء عاليا يتاخم السماء ، قال الطبري : وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر ، وقال الزجاج : كل بناء متسع مرتفع (لَعَلِّي أَطَّلِعُ) أي أتكلف الطلوع (إِلى إِلهِ مُوسى) أي الذي يدعوا إليه ، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى بأنه موجود ، وهو قاطع بخلاف ذلك ، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت ، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه ؛ ثم زادهم شكا بقوله ، مؤكدا لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسّلام : (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ) أي موسى (مِنَ الْكاذِبِينَ) أي دأبه ذلك ، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة نفسه العريقة في العدوان ، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل إلى السماء ؛ ثم على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها ، ثم على تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها.
ولما قال هذا مريدا به ـ كما تقدم ـ إيقاف قومه عن إتباع الحق ، أتبعه تعالى الإشارة إلى أنهم فعلوا ما أراد ، وإن كان ذلك هو الكبر عن الحق فقال تعالى : (وَاسْتَكْبَرَ) أي وأوجد الكبر بغاية الرغبة فيه (هُوَ) بقوله هذا الذي صدهم به عن السبيل (وَجُنُودُهُ) بانصدادهم لشدة رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع للباطل (فِي الْأَرْضِ) أي أرض
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
