بها ، الدالة على جميع الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها (بَيِّناتٍ) أي في غاية الوضوح (قالُوا) أي فرعون وجنوده ما هذا أي الذي أظهره من الآيات (إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً) أي هو خيال لا حقيقة له كجميع أنواع السحر ، متعمدا التخييل به ، لا أنه معجزة من عند الله (وَما سَمِعْنا بِهذا) أي الذي تقوله من الرسالة عن الله (فِي آبائِنَا) وأشاروا إلى البدعة التي قد أضلت أكثر الخلق ، وهي تحكيم عوائد التقليد ، ولا سيما عند تقادمها على القواطع في قوله : (الْأَوَّلِينَ) وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام يوسف عليه السّلا م (وما بالعهد من قدم) فقد قال لهم الذي آمن (يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ) ـ إلى قوله : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ) قبله (بِالْبَيِّناتِ) [غافر : ٣٤].
ولما أخبر تعالى بقولهم عطف عليه الإخبار بقول موسى عليه الصلاة والسّلام ليوازن السامع بين الكلامين ، ويتبصر بعقله ما الفاسد منهما «فبضدها تتبين الأشياء» هذا على قراءة الجماعة بالواو ، واستأنف جوابا لمن كأنه سأل عن جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها ، فإن الموضع موضع بحث عما أجابهم به عند تسميتهم الآيات الباهرات سحرا ، استعظاما لذلك فقال : (وَقالَ مُوسى) أي لما كذبوه وهم الكاذبون ، مشيرا لذي البصر إلى طريق يميزون به الأمرين في سياق مهدد لهم : (رَبِّي) أي المحسن إليّ بما ترون من تصديقي في كل ما ادعيته بإظهار ما لا تقدرون عليه على قوتكم من الخوارق ، ومنع هذا الظالم العاتي المستكبر من الوصول إليّ بسوء (أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ) بالضلال ظلما وعدوانا ، فيكون مخذولا لكونه ساحرا فمحرقا مفتريا على الله ، ويكون له سوء الدار ، وأعلم بحاله ، ولكنه قال «بمن جاء» (بِالْهُدى) أي الذي أذن الله فيه ، وهو حق في نفسه (مِنْ عِنْدِهِ ،) تصويرا لحاله ، وتشويقا إلى أتباعه (وَمَنْ تَكُونُ لَهُ) لكونه منصورا مؤيدا (عاقِبَةُ الدَّارِ) أي الراحة والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة والسرور والظفر بجميع المطالب في الحالة التي تكون آخر الحالات مني ومنكم ، فيعلم أنه أتى بما يرضي الله وهي وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر ، لكنها لا يراد بها إلا ما يقصد للعاقل حتى تكون له ، وأما عاقبة السوء فهي عليه لا له ؛ ثم علل ذلك بما أجرى الله به عادته ؛ فقال معلما بأن المخذول هو الكاذب ، إشارة إلى أنه الغالب لكون الله معه ، مؤكدا لما استقر في الأنفس من أن التقوي لا يغلبه الضعيف (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ) أي يظفر ويفوز (الظَّالِمُونَ) أي الذين يمشون كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل ، فهم لا يضعون قدما في موضع يثقون بأنه صالح للمشي فيه ، لا تبعة فيه فستنظرون (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ وَقالَ فِرْعَوْنُ) جوابا لهذا الترغيب والترهيب بعد
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
