الإجماع أنه عليه الصلاة والسّلام سمع تلك الليلة كلام الله ، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة ، وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة ، بلا كم ولا كيف ، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة ، والشجرة قال البغوي : قال ابن مسعود رضي الله عنه : كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة ، وقال وهب : من العليق ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها العناب. ثم ذكر المنادي بقوله : (أَنْ يا مُوسى) وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال : (إِنِّي أَنَا اللهُ) أي المستجمع للأسماء الحسنى ، والصفات العلى.
ولما كان هذا الاسم غيبا ، تعرف بصفة هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان فقال : (رَبُّ الْعالَمِينَ) أي خالق الخلائق أجمعين ومربيهم (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ) أي لأريك فيها آية.
ولما كان التقدير : فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة ، وهي مع عظمها في غاية الخفة ، بنى عليه قوله : (فَلَمَّا رَآها) أي العصا (تَهْتَزُّ كَأَنَّها) أي في سرعتها وخفتها (جَانٌ) أي حية صغيرة (وَلَّى مُدْبِراً) خوفا منها ولم يلتفت إلى جهتها ، وهو معنى قوله : (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي موسى عليه الصلاة والسّلام ، وذلك كناية عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في الطلب فقيل له : (يا مُوسى أَقْبِلْ) أي التفت وتقدم إليها (وَلا تَخَفْ) ثم أكد له الأمر لما الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله : (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين ؛ ثم زاد طمأنينته بقوله : (أَسْئَلَكَ) أي ادخل على الاستقامة مع الخفة والرشاقة (يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس ، أو هو الكم ، كما يدخل السلك وهو الخيط الذي ينظم فيه الدرر ، تنسلك على لونها وما هي عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته ، وأخرجها (تَخْرُجْ بَيْضاءَ) أي بياضا عظيما يكون له شأن خارق للعادات (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي عيب من حريق أو غيره ، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس ، فالآية من الاحتباك.
ولما كان ذلك لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال : (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ) أي إلى جسدك. ولما كان السياق للتأمين من الخوف ، عبر بالجناح ، لأن الطائر يكون آمنا عند ضم جناحه فقال : (جَناحَكَ) أي يدك التي صارت بيضاء ، والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك (مِنَ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
