شرط عليه من العمل ، فإنه ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما ، وتزوج من المرأتين صغراهما ، وهي التي جاءت فقالت : يأبت استأجره روى الطبراني في الأوسط معناه عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا (١) ، والظاهر أنه مكث عنده بعد الأجل أيضا مدة ، لأنه عطف بالواو قوله : (وَسارَ) ولم يجعله جوابا للما (بِأَهْلِهِ) أي امرأة راجعا إلى أقاربه بمصر (آنَسَ) أي أبصر (مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) آنسته رؤيتها وشرحته إنارتها ، وكان مضرورا إلى الدلالة على الطريق والاصطلاء بالنار.
ولما كان كأنه قيل : ماذا فعل عند ما أبصرها قيل : (قالَ لِأَهْلِهِ) ولما كان النساء أعظم ما ينبغي ستره ، أطلق عليها ضمير الذكور فقال : (امْكُثُوا) وإن كان معه بنين له فهو على التغليب ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا ، لاستبعاد أن يكون في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نار : (إِنِّي آنَسْتُ ناراً) فكأنه قيل : فماذا تعمل بها؟ فقال معبرا بالترجي لأنه أليق بالتواضع الذي هو مقصود السورة ، وهو الحقيقة في إدراك الآدميين في مثل هذا ، ولذا عبر بالجذوة التي مدار مادتها الثبات : (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها) أي من عندها (بِخَبَرٍ) ينفعنا في الدلالة على المقصد (أَوْ جَذْوَةٍ) أي عود غليظ (مِنَ النَّارِ) أي متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ذكرها ؛ ثم استأنف قوله : (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من النار فتنعطفوا عليها لتدفؤوا ، وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء (فَلَمَّا أَتاها) أي النار.
ولما كان آخر الكلام دالا دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه ، بنى للمفعول قوله دالّا على ما في أول الأمر من الخفاء : (نُودِيَ) ولما كان نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب ، وكان مع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف ، إما بأن يكون أول السماع منه أو غير ذلك أو يكون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسّلام فيه قال : (مِنْ) أي كائنا موسى عليهالسلام بالقرب من (شاطِئِ) أي جانب (الْوادِ) عن يمين موسى عليه الصلاة والسّلام ، ولذلك قال : (الْأَيْمَنِ) وهو صفة للشاطىء الكائن أو كائنا (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ) كائنا أول أو معظم النداء أو كائنا موسى عليه الصلاة والسّلام قريبا (مِنَ الشَّجَرَةِ) كما تقول : ناديت فلانا من بيته ، ولعل الشجرة كانت كبيرة ، فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى وسطها ، فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع ـ وهو فيها ـ الكلام من الله تعالى حقيقة ، وهو المتكلم سبحانه لا الشجرة ، قال القشيري : ومحصل
__________________
(١) أخرجه البزار ٢٢٤٤ والطبراني في الصغير ٨١٥ والأوسط كما في المجمع ٧ / ٨٨ من حديث أبي ذر وضعف الهيثمي إسناد البزار وحسن إسناد الصغير والأوسط.
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
