ولما أشار إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها ، أشار إلى أنهم بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة ، فقال : (وَيَقُولُونَ) بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار : (مَتى هذَا الْوَعْدُ) وسموه وعدا إظهارا للمحبة تهكما به ، وهو العذاب والبعث والمجازاة (إِنْ كُنْتُمْ) أي أنت ومن تابعك ، كونا هو في غاية الرسوخ ، كما تزعمون (صادِقِينَ) فأجابهم على هذا الجواب الغص بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق ، ولا تنويه عجلة ، مشيرا إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال والإكرام ، كما فعلت بلقيس رضي الله عنها ، فقال مخاطبا الرأس الذي لا يقدر على هذه التؤده حق القدرة غيره : (قُلْ) يا محمد (عَسى) أي يمكن (أَنْ يَكُونَ) وجدير وخليق بأن يكون (رَدِفَ) أي تبع ردفا حتى صار كالرديف ولحق.
ولما قصر الفعل وضمنه معنى ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال : (لَكُمْ) أي لأجلكم خاصة (بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ) إتيانه من الوعيد ، فتطلبون تعجيله قبل الوقت الذي ضربه الله له ، فعلى تقدير وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه؟ فإن العاقل من ينظر في عواقب أموره ، ويبنيها على أسوأ التقادير ، فيعد لما يتوهمه من البلاء ما يكون فيه الخلاص كما فعلت بلقيس رضي الله عنها من الانقياد الموجب للأمان لما غلب على ظنها أن الإباء يوجب الهوان ، لا كما فعل قوم صالح من الآبار ، التي أعانت على الدمار ، وغيرهم من الفراعنة.
ولما كان التقدير قطعا : فإن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع القطع بتمام قدرته ، عطف عليه قوله : (وَإِنَّ رَبَّكَ) أي المحسن إليك بالحلم عن أمتك وترك المعاجلة لهم بالعذاب على المعاصي (لَذُو فَضْلٍ) أي تفضل وإنعام (عَلَى النَّاسِ) أي كافة (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ) أي لا يوقعون الشكر له بما أنعم عليهم ، ويزيدون في الجهل بالاستعجال.
ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء ، قال نافيا لذلك : (وَإِنَّ رَبَّكَ) أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى إمهالهم إحسانا إليه وتشريفا له (لَيَعْلَمُ) أي علما لا يشبه علمكم بل هو في غاية الكشف لديه دقيقه وجليله (ما تُكِنُ) أي تضمر وتستر وتخفي (صُدُورُهُمْ) أي الناس كلهم فضلا عن قومك (وَما يُعْلِنُونَ) أي يظهرون من عدواتك فلا تخشهم ، وذكر هذا القسم لأن التصريح أقر للنفس والمقام للأطناب ، على أنه ربما كان في الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سببا للخفاء.
ولما كان ثبات علم الناس في الغالب مقيدا بالكتاب ، قال تقريبا لأفهامهم : (وَما مِنْ غائِبَةٍ) أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة (فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) أي في أي
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
