تهويله ، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس ، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء ، وهو معرض عنه ، فقد فوّت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه ، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية ، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا همّ لها إلا لذة البطن والفرج ، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطا خبط عشواء ، ويكون أمره على خصمه هينا أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك ، أو أنهم لعدم علم الوقت بعينه كأنهم في شك بل عمى ، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من أمرها ، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر. ومن أخذ شيئا من علمها عن غيرهم ضل.
ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم ، فقالوا مقسمين جهد أيمانهم : لا تأتينا الساعة ، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى ، وكان الأصل : وقالوا ، ولكنه قال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ستروا دلائل التوحيد والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء ، تعليقا للحكم بالوصف ، مستفهمين استفهام المستبعد المنكر : (إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا) وكرروا الاستفهام إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود ، وعد ما استبعدوه محالا ، فقالوا : (أَإِنَّا) أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم ، وتمكن البلى فيهم (لَمُخْرَجُونَ) أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من الحياة والقوة ، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا لاستبعادهم : (لَقَدْ وُعِدْنا).
ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة ، قدم قوله : (هذا) أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة ـ على قوله : (نَحْنُ وَآباؤُنا) بخلاف ما سبق في سورة المؤمنون ، وقالوا : (مِنْ قَبْلُ) زيادة في الاستبعاد ، أي أنه قد مرت الدهور على هذا الوعد ، ولم يقع منه شيء ، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له فكأنه قيل : فما المراد به؟ فقالوا : (إِنْ) أي ما (هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي ما سطروه كذبا لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة لمعناه ، فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب المحيط العلم ، وتارة يستبعدون دأب الشاك ، المركب الجهل ، الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى الإضرابات ـ والله الموفق.
(قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
