من الجان ، من أجواف الأوثان ، وكانوا يسمون هذا غيبا وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده ، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة ، وكانت الساعة قد ثبت أمرها ، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها ، بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه ، وكان علم وقتها من الغيب المحض ، قال : (وَما يَشْعُرُونَ) أي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا (أَيَّانَ) أي أيّ وقت (يُبْعَثُونَ) فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه ، ومن تخرص ظهر كذبه.
ولما كان النبي صلىاللهعليهوسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض ، وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحا ، وبعضهم لزوما ، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به ، قال متهكما بهم كما تقول لأجهل الناس : ما أعلمك! استهزاء به مستدركا لنفي شعورهم بها بيانا لكذبهم باضطراب قولهم : (بَلِ ادَّارَكَ) أي بلغ وتناهى (عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أي أمرها مطلقا : علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم عليه ، وتنويع العبارات فيه ، وتفريع القول في أمره ـ هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وكذا في قراءة الباقين : ادّارك بمعنى تدارك يعني تتابع واستحكم.
ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم ، مرتبكين في جهلهم ، وقد يعبرون ـ دليلا على أنه لا علم من ذلك عندهم ـ بالشك ، قال تعالى : (بَلْ هُمْ فِي شَكٍ) ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة ، عبر بمن ، أي مبتدىء (مِنْها) ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى ، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال : (بَلْ هُمْ) ولما كان الإنسان مطبوعا على نقائص موجبة لطغيانه ، ومبالغته في العلو في جميع شأنه ، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه ، الموجب لجهله. وتماديه على قبيح فعله ، فقال مقدما للجار : (مِنْها عَمُونَ) أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها ، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم ، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم ، بل انعكس نفعها ضرا ، وخيرها شرا ، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض ، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض ، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر ، وتناهي وصفه ، وأنه يجب على الكل الاعتناء به ، والوقوف على حقه ، والتناهي عن باطله ، أو لشك البعض وسكوت الباقي لقصد
![نظم الدّرر [ ج ٥ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4707_nazm-aldurar-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
